
تتطلب الحروب المستقبلية تغييراً جذرياً في كيفية تجهيز القوات المسلحة، وشراء الأسلحة، والتعامل مع الابتكار التكنولوجي.
وتعيد التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي والطائرات من دون طيار تشكيل ساحة المعركة، ما يجعل الأساليب العسكرية التقليدية أقل فعالية. ومع ذلك، تواجه القوات الأميركية صعوبة في تبني هذه التغييرات بسبب البيروقراطية المعقدة ونظام الشراء البطيء في البنتاغون، وفق تقرير لـ«إيكونوميست».
وتشرح المجلة البريطانية أن التفوق العسكري الذي كانت تتمتع به الولايات المتحدة لعقود طويلة أصبح في خطر حقيقي، في وقت يشهد فيه العالم تطورات تكنولوجية غير مسبوقة في ميادين الحرب. وقدم الصراع في أوكرانيا مثالاً حيّاً عن التغييرات الثورية التي تشهدها الحرب الحديثة، إذ أصبحت الطائرات المسيّرة، الأقمار الصناعية، والذكاء الاصطناعي، أدوات حاسمة في المعركة. ورغم أن أميركا قد أسهمت بشكل كبير في هذه التحولات التكنولوجية، فإن الجيش الأميركي يواجه تحديات خطيرة في تكييف قدراته العسكرية مع هذه التطورات السريعة، في ظل التّقدم الصيني الروسي الملحوظ.
ويوضح الرئيس التنفيذي السابق لشركة «غوغل» والداعم لصندوق يستثمر في التكنولوجيا العسكرية، إريك شميدت، أن الشركات الأميركية تصنع أفضل أنظمة الذكاء الاصطناعي، ولكن قواتها المسلحة تجد صعوبة في استيعابها وتوظيفها، والجنود يفتقرون إلى المعدات والتدريب للتعامل مع ساحة معركة مليئة بالطائرات من دون طيار.
إصلاحات داخلية في البنتاغون
لا تكمن مشكلة الولايات المتحدة فقط في التكنولوجيا نفسها، بل أيضاً في كيفية إدارتها وشرائها للأسلحة والمعدات العسكرية. رغم أن ميزانية الدفاع الأميركية تتجاوز 800 مليار دولار سنوياً، إلا أن النظام البيروقراطي المعقد في البنتاغون يعوق قدرة الجيش على الاستفادة من أحدث التقنيات. عملية التوريد العسكري في أميركا، التي تركز على شراء الأسلحة وفقاً لمعايير قديمة وأحياناً متجاوزة للزمن، تؤدي إلى تأخيرات شديدة في تحديث العتاد العسكري، ما يهدد جاهزية الجيش في وقت تشهد فيه الحروب تطوراً سريعاً.
ولمواجهة هذه المشكلة، يدعو أحد الحلول المقترحة إلى تبني آليات شراء أكثر مرونة وسرعة، مثل مبادرة «Replicator» التي أطلقها البنتاغون أخيراً، والتي تهدف إلى شراء الطائرات المسيّرة القابلة للتحديث بشكل مستمر. ورغم التقدم الذي تحققه هذه المبادرة، فإن عملية إقناع الكونغرس بتخصيص ميزانية لهذه المشاريع تستغرق وقتاً طويلاً، حتى في حالات المشاريع الصغيرة التي قد تكون ضرورية لتحديث الجيش.
-
البنتاغون (من الويب)
وفي هذا السياق، يبرز الحديث عن «الابتكار العسكري» الذي يتبناه بعض الشخصيات البارزة مثل إيلون ماسك والرئيس دونالد ترامب الذي يسعى إلى إصلاح الأنظمة البيروقراطية، ويعتقد أن التحديث السريع في مجال الدفاع هو السبيل الوحيد لضمان التفوق العسكري الأميركي في المستقبل. إلّا أن هذه الجهود قد تواجه مقاومة شديدة من داخل المؤسسة العسكرية، التي لا تزال تتبع الأساليب التقليدية في اتخاذ القرارات وتحديد أولويات الإنفاق.
الصراع بين الأجيال: تقنيات قديمة في عالم متطور
الجدير ذكره أن البعض يرى أن التوجهات التكنولوجية الجديدة قد تكون مبالغاً فيها. فبعض الخبراء العسكريين يعتقدون أن القوة البشرية والعتاد التقليدي، مثل الأساطيل البحرية والطائرات المقاتلة من طراز «F-35»، لا يزالان يشكلان عنصراً أساسياً في القوة العسكرية. هؤلاء لا يرون أن الأسلحة الحديثة مثل الطائرات المسيّرة أو الأسلحة العالية السرعة قد تكون الحل الوحيد.
في الجهة المقابلة يرى آخرون أن المستقبل العسكري يكمن في تجاوز هذه الأسلحة التقليدية والانتقال إلى أساليب جديدة من الحرب تعتمد على الذكاء الاصطناعي، الطائرات المسيّرة، والصواريخ الدقيقة. ويدعو إيلون ماسك إلى التخلي عن طائرات «F-35» المأهولة واستبدالها بسرب من الطائرات المسيّرة الرخيصة التي يمكنها الهجوم بشكل أسرع وأكثر كفاءة.
ورغم هذه الخلافات حول كيفية تطور القوة العسكرية الأميركية، فإن هناك إجماعاً على ضرورة استخدام مزيج من الأنظمة الحديثة والتقليدية لضمان القوة العسكرية، وهذا يتطلب تحديد ما يجب الاحتفاظ به من الأسلحة القديمة وما يجب استبداله بتقنيات جديدة.
-
طائرة «F-35» (أ ف ب)
القطاع الخاص والابتكار العسكري
بالإضافة إلى الجهود الحكومية، يعتبر القطاع الخاص جزءاً حيوياً في تحقيق التحديث العسكري. شركات التكنولوجيا الكبرى مثل «غوغل» و«فيسبوك» و«أمازون» بدأت تدرك أهمية التعاون مع وزارة الدفاع بعد سنوات من الامتناع عن ذلك. التطورات الأخيرة، مثل التوجهات الجديدة التي تبنتها شركات مثل «بالانتير»، تشير إلى تحول كبير في كيفية تعامل الشركات مع المشاريع العسكرية. وشهدت الاستثمارات في هذا القطاع نمواً كبيراً في السنوات الأخيرة. ولكن، كما يشير الخبراء، يبقى نظام التوريد الحكومي البطيء عقبة رئيسية أمام استغلال هذه الابتكارات بشكل فعال.
وعليه، إذا كانت الولايات المتحدة ترغب في الحفاظ على مكانتها كأقوى قوة عسكرية في العالم، فإن ذلك يتطلب إصلاحاً جذرياً في الطريقة التي تُدار بها شؤون الدفاع؛ عبر تبني أساليب أسرع وأكثر مرونة في استجابة لتطورات التكنولوجيا الحديثة، مع العمل على دمج القطاع الخاص في جهود تحديث الجيش بشكل أكثر كفاءة.
وتختم «إيكونوميست» بأن إصلاح نظام التوريد، والتوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، سيحددان مصير التفوق العسكري الأميركي في المستقبل.

