
بدعم من روسيا، نال مشروع القرار الأميركي حول أوكرانيا، والذي لا يحمّل موسكو مسؤولية بدء الحرب، أو يتضمّن أي إشارة حول "وحدة الأراضي" الأوكرانية، دعم "مجلس الأمن" التابع للأمم المتحدة. ووافق على القرار 10 أعضاء من أصل 15، وسط امتناع خمس دول أوروبية، من بينها المملكة المتحدة وفرنسا، عن التصويت، في مؤشر إلى اتساع الهوة بين أوروبا والولايات المتحدة في شأن الحرب الروسية – الأوكرانية. ولم تكتفِ واشنطن بتمرير هذا المشروع، بل عارضت، في وقت سابق من يوم الإثنين، جنباً إلى جنب روسيا وكوريا الشمالية وبيلاروس، المشروع الذي طرحته أوكرانيا أمام "الجمعية العامة" للأمم المتحدة، والتي تضم 193 دولة. وعلى الرغم من تصويت "الجمعية العامة" على القرار الأوكراني، وسط معارضة أميركية شرسة له، إلا أنّ "مجلس الأمن" هو من يتمتع بسلطة صنع القرار، على عكس "الجمعية العامة".
توازياً مع ذلك، تبدو أوروبا، لأسباب دبلوماسية وأمنية على حدّ سواء، "متردّدة" في إزعاج الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إذ قالت مصادر مطّلعة، في حديث إلى وسائل الإعلام، إن فرنسا وبريطانيا لديهما حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن، لكنهما تردّدتا في استخدامه ضد الولايات المتحدة. ونقلت صحيفة "بوليتيكو" عن مصادر أوروبية قولها إنّ ما يسيطر على أذهان القادة الأوروبيين حالياً هو الحاجة إلى تقوية موقف أوروبا، وإظهار الدعم لأوكرانيا، وإدارة التفاعلات الصعبة مع إدارة ترامب، وسط قناعة بأنّ "الأخير يمكن أن يتخذ قرارات عدائية جذرية إذا تعرّض للإهانة".
ويقول أحد الدبلوماسيين، في حديث إلى الصحيفة: "نحن بحاجة إلى بناء خطة أمنية لأوروبا في وقت يبدو فيه الرأي العام غير جاهز ذلك. ولا يمكننا فعل ذلك وإدارة انسحاب حوالي 100 ألف جندي أميركي من أوروبا في الوقت نفسه"، مضيفاً أنّه لهذا السبب، "لا يمكننا الانفصال عن ترامب". وبالفعل، التقى الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أمس، بترامب في البيت الأبيض، فيما من المقرر أن يلتقي الأخير رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، في واشنطن في وقت لاحق من الأسبوع الجاري.
وخلال لقائه ماكرون، أعاد ترامب التأكيد أنّ إدارته تتجه نحو "انفصال تام" عن سياسات سلفه جو بايدن، في ما يتعلق بالحرب الروسية - الأوكرانية، لافتاً إلى أنّه يقترب من توقيع اتفاق يتيح للولايات المتحدة الوصول إلى الموارد الطبيعية في أوكرانيا، كـ"مفتاح يسمح لدافعي الضرائب الأميركيين تعويض بعض المليارات التي تم إنفاقها للدفاع عن دولة واقعة في أوروبا الشرقية". وعلى الرغم من أنّ ماكرون أكّد، خلال مؤتمر صحافي مشترك عقب اللقاء، أن أي اتفاق لإنهاء الحرب يجب أن ينطوي على ضمانات أمنية موسّعة لأوكرانيا، بما في ذلك وجود قوات حفظ سلام على الأرض، متحدّثاً عن وجود "رسالة أميركية واضحة مفادها أن الولايات المتحدة، كحليف، مستعدة للتضامن مع تلك الجهود"، إلا أن مسؤولاً في البيت الأبيض أكّد، الإثنين، في حديث إلى صحيفة "وول ستريت جورنال"، أنّ الاتفاق الذي يسعى إليه ترامب لن يتضمن أي ضمانة لأوكرانيا بإرسال مساعدات مستقبلية أو أي التزام بإرسال أفراد أميركيين إلى المنطقة.
وبالتوازي مع اجتماع مجموعة من القادة الغربيين في كييف، الإثنين، للاحتفال بالذكرى الثالثة للحرب الأوكرانية، كتب ترامب، في منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، أنه يجري «مناقشات جادة» مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، حول «معاملات التنمية الاقتصادية الرئيسية التي ستُجرى بين الولايات المتحدة وروسيا»، بعدما كان قد أوضح، في حديث إلى الصحافيين في البيت الأبيض، أنّ المناقشات الاقتصادية مع روسيا في مراحلها الأولى، وأنّ لدى موسكو "أشياء قيمة للغاية يمكننا استخدامها"، في إشارة أيضاً إلى الموارد المعدنية، مقراً بأنّ تلك المفاوضات قد "لا تؤتي ثمارها" بالضرورة.
يلوّح مراقبون بإمكانية انتهاء "الناتو" في خضمّ تضاؤل الدعم السياسي "والشعبي" له
ولن تقتصر تبعات مواقف إدارة ترامب الأخيرة، على ما يبدو، على الشق الدبلوماسي فحسب، إذ نقلت "وول ستريت جورنال"، في تقرير منفصل، عن مسؤولين غربيين حاليين وسابقين، قولهم إنه من دون المزيد من المساعدات الأميركية، فسيكون لدى أوكرانيا ما يكفي من الأسلحة لمواصلة القتال بالوتيرة الحالية حتى الصيف، محذّرين من أنّه بعد الفترة المشار إليها، ستعاني كييف من نقص في الذخيرة وستكون غير قادرة على استخدام بعض من أكثر أسلحتها تطوراً. وتنقل الصحيفة عن ميكولا بيليسكوف، كبير المحللين في "Come Back Alive "، وهي مؤسسة خيرية أوكرانية كانت تزود الجيش بطائرات مُسيّرة، قوله إنّ أوكرانيا قادرة على التحمل "لنصف عام أو عام، من أجل إعطاء أوروبا فرصة للبدء بإنتاج الذخيرة التي تقدر على إنتاجها"، مشيراً إلى أنّ كييف "قد تتكبد بعض الخسائر وربما تفقد بعض الأراضي، لكن لا خيار سوى استكمال القتال رغم الصعوبات". وبحسب أحد مساعدي زيلينسكي، فإنّ وقف المساعدات الأميركية هو بمثابة "السيناريو الأسوأ"، فيما تؤكد الصحيفة أنّه سيكون من المستحيل استبدال بعض الإمدادات الأميركية، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة والصواريخ الباليستية أرض - أرض وأنظمة الملاحة والمدفعية الصاروخية البعيدة المدى على المدى القصير، ولا سيما أنّ أوروبا لا تنتج ما يكفي منها، وفي بعض الأحيان، "لا تنتج شيئاً منها".
نهاية "الناتو"؟
وعلى ضوء ما تقدّم، وصل بعض المراقبين إلى حدّ التلويح بإمكانية انتهاء "الناتو"، في خضمّ تضاؤل الدعم السياسي "والشعبي" له. وفي السياق، تلفت صحيفة "بوليتيكو"، في تقرير، إلى أنّه خلال خطاب "تنبُّئِيّ" ألقاه في بروكسل في حزيران 2011، حذّر وزير الدفاع الأميركي، آنذاك، روبرت غيتس، حلفاء واشنطن الأوروبيين من أنهم إذا لم يبدأوا في إنفاق المزيد من أجل أمنهم، فقد يصبح "الناتو"، في يوم من الأيام، "من الماضي". واليوم، يحقق ثلثا أعضاء "الناتو" معيار الـ2% من الإنفاق الدفاعي، إلا أنّه على ضوء الحرب الروسية في أوكرانيا ومطالبة الرئيس الأميركي الحالي بزيادة الإنفاق إلى 5%، لا يزال أمام أوروبا طريق طويل لتقطعه.
وطبقاً للرأي المتقدّم، يعكس الخلاف حول مخصصات الميزانية قضية أعمق، وهي أنّ الكثير من الأميركيين، كما يتضح من الخطاب الشعبوي لترامب ونائبه جي دي فانس، غير مهتمين إلى حد كبير بالدفاع عن أوروبا بعد الآن. ويرى هؤلاء المحللون أنّه لا ينبغي أن يكون التحول في مواقف الولايات المتحدة تجاه أوروبا مفاجئاً؛ إذ إنّ "الناتو" صمد لما يقرب من 80 عاماً، وهو "وقت طويل في التاريخ الحديث"، خاصة في عصر التغيير التكنولوجي السريع الذي أثّر على المعلومات والاقتصاد والسفر الجوي وأنماط الهجرة والهوية نفسها.
ويردف التقرير أنّه عندما تأسّس "الناتو" بعد فترة وجيزة من الحرب العالمية الثانية، كانت الولايات المتحدة تسيطر على أكثر من نصف قدرة التصنيع العالمية، إلا أنّ الأخيرة تضاءلت اليوم إلى حوالي 16%. كما أنّ "نجاة" الحلف خلال العقود التي أعقبت الحرب الباردة والصعود الروسي، كانت مرتبطة إلى حدّ كبير بأنّ من يقودونه كانوا أشخاصاً إما يتمتعون بذاكرة قوية عن الحرب العالمية الثانية وسنوات الحرب الباردة المبكرة، أو نشأوا مع أشخاص كذلك، وأُعجبوا بهم. بيد أنّ تلك الذاكرة التاريخية الحية "تتبخر"، فيما يفشل الأوروبيون في فهم أنّ الولايات المتحدة هي قارة تواجه المحيط الهادئ والمحيط الأطلسي، ولم يعدّلوا، بالتالي، "سلوكهم". وترامب، من جهته، طبقاً لهذا الرأي، لا يقدّر "ملحمة الغرب بعد الحرب"، فيما "الناتو" بالنسبة إليه هو مجموعة من "الحروف المختصرة"، لا "أكبر تحالف عسكري للبشرية على الإطلاق".
خطر "على الجميع"
وبطبيعة الحال، تزداد التحذيرات، على ضوء مواقف واشنطن الأخيرة، من تبعات خسارة كييف المحتملة للحرب، على سائر أنحاء العالم، بما فيها الشرق الأوسط. ويرد في تقرير نشره "معهد واشنطن" أنّه على مدى السنوات الثلاث الماضية، استفاد بوتين من حربه في أوكرانيا لتحدّي كل من النظام العالمي الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة، والذي تأسّس بعد الحرب العالمية الثانية، والهياكل الأمنية الأوروبية الموجودة منذ الحرب الباردة، مشيراً إلى أنّه لا يمكن أن تخسر أوكرانيا الحرب الحالية، من دون أن يشكّل ذلك "خطراً كبيراً على الجميع".
وبعدما صاغ بوتين سرديته القائمة على أنّ الغرب يستخدم أوكرانيا لإضعاف روسيا، ظلت دول الشرق الأوسط محايدة إلى حد كبير، وتجنبت المشاركة في العقوبات الغربية، بل عمّقت، في كثير من المحطات، علاقاتها التجارية مع روسيا، ما قوّض محاولات عزل موسكو على المسرح العالمي، ولا سيما أنّ رواية الأخيرة عن أنّ حربها هي "رد دفاعي على هجمات النظام الغربي"، وأن واشنطن وشركاءها سعوا لمعاقبة روسيا منذ نهاية الحرب الباردة، تستمر في التمدد في الشرق الأوسط، فيما يُتوقع أن تؤثّر نتائج الحرب بشكل كبير على مصداقية واشنطن في جميع أنحاء العالم.

