
أصدر مؤسس «حزب العمال الكردستاني» عبدالله أوجلان من سجنه التركي اليوم، «إعلاناً تاريخياً»، دعا فيه إلى إنهاء أربعة عقود من التمرد المسلح على الدولة التركية، ما قد يفتح الباب لتحولٍ جذري، في مسار العلاقات التركية - الكردية، ويساعد على حلّ ملف «قسد» في شمال شرقي سوريا.
ولد أوجلان في عام 1948، في قرية عمرلي في مدينة أورفه جنوب شرقي تركيا، قرب الحدود السورية. والتحق بكلية الحقوق في «جامعة إسطنبول»، لكنه تحوّل إلى دراسة العلوم السياسية في «جامعة أنقرة».
بدأ الزعيم الكردي عمله السياسي كعضو شعبة في «جمعية ثوار الثقافة الشرقية» في إسطنبول في عام 1970. واعتُقل للمرة الأولى في 7 نيسان 1973، عندما كان يوزع منشورات، ليقضي سبعة أشهر في السجن.
بعد إطلاق سراحه، شرع بتأسيس «حزب العمال الكردستاني» في عام 1978 في تركيا، بهدف تأسيس دولة للكرد في المنطقة التي تقع بين العراق وسوريا وتركيا وإيران، ما عُدّ تهديداً للأمن القومي بالنسبة إلى هذه الدول.
-
مؤيدون لأوجلان في القامشلي شمال شرقي سوريا اليوم (أ ف ب)
غادر أوجلان تركيا في عام 1980، بعد الانقلاب التركي، إذ قامت السلطات الحاكمة آنذاك بقتل 80 شخصاً من زعماء الحزب، واعتقلت الكثير منهم.
وانتقل أوجلان إلى سوريا في عهد الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، الذي سمح له، بحسب بعض مصادر إعلامية، بإقامة معسكرات تدريب لأعضائه في سهل البقاع داخل الأراضي اللبنانية أيام النفوذ السوري في لبنان. كما شنّ مسلحو الحزب في هذه الفترة هجمات ضدّ أهداف عسكرية تركية، إضافة إلى تنفيذ اقتحامات في عدد من القرى التركية شرقي البلاد.
أقام أوجلان في سوريا حتى عام 1998، حين ساءت العلاقات السورية - التركية، بعد اتهام أنقرة دمشق بدعم الحزب الكردي، مهددةً بالتدخل عسكرياً، ما دفع دمشق لمطالبة أوجلان بالرحيل.
في تلك الفترة، كان الزعيم الكردي ملاحقاً من قبل «الاستخبارات المركزية الأميركية» (CIA)، و«الموساد» الإسرائيلي، والمخابرات التركية (MIT)، والمخابرات اليونانية (EYP). وانتقل أوجلان من سوريا إلى روسيا ثمّ إيطاليا. وبعد إخراجه منها أيضاً من قبل الحكومة الإيطالية، اختبأ في السفارة اليونانية في كينيا. وبعد إخراجه من السفارة اليونانية، ألقت وحدات أمن كينية القبض عليه، وسلّمته في 15 شباط 1999 لمسؤولي الأمن التركي، حيث نُقل بطائرة خاصة إلى تركيا. ويتهم مناصرو أوجلان المخابرات الإسرائيلية بالضلوع في عملية رصده وتعقّبه بواسطة الهاتف النقال.
-
امرأة كردية عراقية في السيلمانية في إقليم كردستان اليوم (أ ف ب)
من السجن إلى «إلقاء السلاح»
احتُجز أوجلان بشكل انفرادي في جزيرة إمرلي في بحر مرمرة، وصدر بحقه حكم بالإعدام. وتحوّل الحكم في ما بعد إلى السجن مدى الحياة، بعد أن ألغت تركيا عقوبة الإعدام في عام 2002.
وعام 2014، وجّه رسالة إلى الحكومة التركية والأطراف الكردية شدّد فيها على ضرورة التمسك بالسلام، وحذّر من داخل سجنه، من مخططات إفشال مسيرة السلام. كما دعا أنصاره، في نهاية شهر شباط من عام 2015، إلى السعي لإنهاء الصراع المسلح مع تركيا، معتبراً أن الحاجة ماسة إلى قرار وصفه بـ«التاريخي»، للتوصل إلى «حل ديمقراطي».
بدورها، خاضت الدولة التركية مفاوضات مع الحزب الكردي بين أعوام 2009 - 2011 و2013 - 2015، لكنها فشلت في التوصل إلى حل للصراع. كما اتخذت الدولة في السنوات الأخيرة، تدابير فعالة ضدّ «مكافحة الإرهاب» داخل وخارج حدودها، ما أدى إلى تقليص نفوذ الحزب داخل تركيا بشكل كبير، بعدما كان يُقدر عدد مقاتليه بالآلاف.
وبعد حوالى العقد، عادت قضية أوجلان إلى الواجهة بعد أن وجّه رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشتلي المنضوي في الائتلاف الحاكم في تشرين الأول 2023، دعوةً للزعيم الكردي للحضور إلى البرلمان وإعلان حلّ حزبه، مقابل إطلاق سراحه.
-
مؤيدون لأوجلان في ديار بكر جنوب شرقي تركيا اليوم (أ ف ب)
وفي اليوم التالي، سُمح لأوجلان بأول زيارة عائلية له منذ عام 2020. حينها، أبلغ أوجلان وفداً من حزب «المساواة وديمقراطية الشعوب» الذي زاره في سجنه أنه مستعد للقيام بمساهمة إيجابية في السياق الذي أطلقه بهشتلي، والرئيس التركي رجب طيب إردوغان.
كما سُمح لأوجلان بلقاءٍ ثانٍ مع نائبين من حزب «المساواة وديمقراطية الشعوب»، بالتزامن مع المفاوضات التي كانت تنشط مع الدولة التركية.
وعقب اللقاء، قال الحزب في بيان إن «عمل أوجلان في عملية التفاوض مستمر، وبمجرد الانتهاء من الاستعدادات سيتم الإدلاء بالتصريحات اللازمة»، مؤكداً أن «هذه العملية ستسمح لكل فرد، ولنا جميعاً بالعيش معاً وبحرية».
واليوم، بعد 27 عاماً من الاعتقال، تُوجّت هذه المفاوضات بـ«إعلان تاريخي» لأوجلان، تلاه وفد من نواب «حزب الشعوب للعدالة والديمقراطية» بعد لقاءٍ ثالث مع الزعيم الكردي في السجن، دعا فيه إلى إلقاء السلاح وحل «حزب العمال الكردستاني».

