بروكسل تعلّق رسومها أيضاً: لا حلّ سوى بالتفاوض
سارع الاتحاد الأوروبي، أمس، إلى تعليق العمل، لمدّة 90 يوماً، بأول حزمة إجراءات انتقامية اتّخذها رداً على الرسوم الجمركية الأميركية البالغة 25% على واردات الصلب والألمينيوم من القارة، وذلك بعدما أعلن الرئيس دونالد ترامب، مساء الأربعاء، رفع التعرفات على الص


لندن | سارع الاتحاد الأوروبي، أمس، إلى تعليق العمل، لمدّة 90 يوماً، بأول حزمة إجراءات انتقامية اتّخذها رداً على الرسوم الجمركية الأميركية البالغة 25% على واردات الصلب والألمينيوم من القارة، وذلك بعدما أعلن الرئيس دونالد ترامب، مساء الأربعاء، رفع التعرفات على الصين، في موازاة تعليق تلك التي فرضها أخيراً، لـ90 يوماً، على بقية دول العالم. وبحسب معلومات بروكسل (مقر الاتحاد الأوروبي)، فإن التعرفة الحالية على الصادرات الأوروبية إلى السوق الأميركية ستقتصر على 10% على كل السلع.
وكان من المفترض أن تدخل التعرفات الأوروبية الجديدة حيّز التطبيق على مراحل: أولاها بدءاً من 15 نيسان الجاري، وثانيتها من 15 أيار المقبل، فيما سيكتمل تطبيق الرسوم الإضافية في كانون الأول المقبل. وفي هذا الوقت، بدأ وزراء أوروبيون العمل على حزمة أخرى من الرسوم الجمركية ردّاً على تعرفات لاحقة أضافها ترامب ضدّ الواردات الأوروبية، وتشمل 20% على جميع السلع، و25% على السيارات.
لكنّ قرار الرئيس الأميركي تعليق تنفيذ بعض التعرفات لمدة 90 يوماً، قوبل بارتياح في بروكسل والعواصم الأوروبية، كما بدا على مستوى ما نجاحاً للنهج الأوروبي في التأنّي، والدفع في اتّجاه المفاوضات للتوصّل إلى اتفاق تجاري شامل بين بروكسل وواشنطن، وإبقاء الأبواب مفتوحة لتقديم تنازلات، بدلاً من المسار العدواني.
وكرّر مسؤولون أوروبيون، في أكثر من مناسبة، أنهم يفضّلون تجنُّب حرب تجارية شاملة على جانبَي الأطلسي، وأن الغاية من أيّ إجراءات انتقامية سيتخذونها، تحفيز الجانب الأميركي على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، مجدّدين استعدادهم لتنفيذ صيغة «صفر-صفر» تعرفات جمركية ضمن شراكة عريضة، وذلك على رغم إصرار بعض الرؤوس الحامية، ولا سيما في باريس وبرلين، على ضرورة إبقاء كل الخيارات مفتوحة.
وتوفّر هدنة الـ90 يوماً المتبادلة، نافذة فرصة لصانعي السياسة الأوروبيين للتواصل المكثّف مع نظرائهم الأميركيين، وإغرائهم بفضائل التعاون بدلاً من التناحر، كما تتيح المجال أيضاً أمام بناء تفاهمات أوسع بينهم، بعد التجاذبات التي حدثت في لوكسمبورغ (الإثنين الماضي) في إطار المداولات حول السلع الأميركية التي ستُستهدف في التعرفات الانتقامية.
وكانت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا ضغطت، في اجتماع وزراء التجارة، لاستثناء ويسكي البوربون الأميركي من قائمة السلع المستهدفة، بعدما هدّد ترامب بفرض تعرفة بنسبة 200% على صادرات المشروبات الكحولية الأوروبية إلى الولايات المتحدة، إنْ هم فرضوا تعرفة على صادرات الويسكي الأميركي، ما من شأنه أن يتسبّب بأضرار فادحة لمنتجي النبيذ والكحوليات في جنوب أوروبا. وعُلم أيضاً أن منتجات الألبان استُبعدت من القائمة، على خلفية ضغط إيرلندا، الأمر أثار غضب عدد من الدول، بما فيها هنغاريا وألمانيا، علماً أن بودابست صوّتت وحدها ضدّ القائمة النهائية.
لا تنظر الولايات المتحدة إلى التعرفات الجمركية كخطوة تكتيكية، ولكن كإجراء تصحيحي
وعلى رغم أن الاتحاد الأوروبي يُعدّ أهمّ شريك تجاري للولايات المتحدة، لكنّ ترامب بدا عازماً على قبول مصاعب اقتصادية قصيرة الأجل مقابل إعادة ترتيب العلاقة التجارية معه على المدى الطويل. ويدرك الأوروبيون أن حرباً تجارية شاملة ستكلّف أيضاً الشركات والمستهلكين في القارة القديمة، ولا سيما في الدول التي تصدّر بكثافة إلى السوق الأميركية، من مثل ألمانيا وفرنسا، ما يجعلهم متردّدين وغير موحّدين تماماً في تصوّراتهم حول سبل مواجهة تعرفات ترامب.
ففي حين تميل فرنسا وألمانيا إلى تجنّب التعرفات على السلع المصنّعة مقابل استخدام تدابير مضادّة أخرى من مثل منع الشركات الأميركية من المشاركة في التعاقدات العامة للاتحاد الأوروبي، وتشديد العقوبات التنظيمية ضدّ شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى، تفضّل دول أخرى، من مثل إسبانيا وإيرلندا، اعتماد استجابة أكثر حذراً، فيما تريد إيطاليا تجنّب المواجهة بالكامل.
وفي هذا الجانب، قدّمت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، والتي تربطها علاقة شخصية ممتازة مع ترامب، نفسها، كوسيط محتمل بين أوروبا والولايات المتحدة، معلنةً عزمها زيارة واشنطن قريباً لهذه الغاية. لكنّ وزير الصناعة الفرنسي، مارك فيراتشي، حذّر من أن صيغة المفاوضات الثنائية مع الأميركيين تهدّد بتقويض الوحدة الأوروبية في مواجهة التعرفات المستجدّة، مجادلاً بأن زيارة ميلوني «سقوط في فخ ترامب الذي يهدف إلى منع تشكّل ردّ أوروبي موحّد على تعرفاته». لكنّ وزير شؤون أوروبا الإيطالي، توماسو فوتي، سارع إلى الردّ عليه، متّهماً فرنسا بالنّفاق، إذ قال: «عندما يذهب الرئيس ماكرون إلى واشنطن، فإن كل شيء على ما يرام، ولكن عندما تذهب ميلوني، فإن الأمور لا تُعدّ على ما يرام؟».
وكان الرئيس الأميركي، رداً على تصريحات أدلت بها رئيسة المفوّضية الأوروبيّة، أورسولا فون دير لايين، يوم الإثنين الماضي، من أن «أوروبا لا تزال تأمل في التوصّل إلى اتفاق جيّد للطرفين، وتجنُّب حرب تجارية متبادلة، ولذلك تُبقي عرضها لتصفير جميع الرسوم الجمركية على السلع الصناعية بين جانبَي الأطلسي، مفتوحاً»، عبّر عن استعداده لإبرام صفقة مع أوروبا، في حال عدّلت ميزانها التجاري مع بلاده. وقال إنه يمكن الأوروبيين أن يفعلوا ذلك من خلال شراء نفط وغاز من الولايات المتحدة بقيمة 350 مليار دولار، وهو رقم أعلى بكثير من الحجم الحالي للمشتريات الأوروبية الذي لا يزيد على 70 ملياراً.
لكنّ خبراء يقولون إن حجم العجز في الميزان التجاري الأميركي لمصلحة أوروبا لا يزيد على 171 مليار دولار، ينخفض إلى 52 ملياراً فقط عند احتساب قطاع الخدمات - ولا سيما قطاع التكنولوجيا والإنترنت -، حيث تبيع الولايات المتحدة لأوروبا أكثر بكثير ممّا تشتريه منها. ولا شكّ في أن الأوروبيين يمكن أن يتعهّدوا بشراء المزيد من مصادر الطاقة الأميركية، لكنّهم لا يرغبون، إستراتيجياً، في استبدال اعتمادهم الكلّي على الغاز الطبيعي الروسي، بالاعتماد الكامل على الغاز الطبيعي السائل الأميركي.
على أن الجليّ من تصريح ترامب، أن الولايات المتحدة لا تنظر إلى التعرفات الجمركية كخطوة تكتيكية، ولكن كإجراء تصحيحي، وأن الإدارة الحالية في البيت الأبيض غير معنية بالتداعيات الاقتصادية للتعرفات الانتقامية على المستهلك الأميركي، ولذلك فإن الأوروبيين لم يخرجوا بعد من الدوامة، ولديهم الآن مهلة ثلاثة أشهر لحسم إستراتيجيتهم قبل أن تعود التعرفات لعضّ اقتصاداتهم المهزوزة أصلاً.
