حرب ترامب على «الأكاديميا»: «هارفرد» لم تَعُد صرحاً عريقاً!
شكّلت انطلاقة عهد إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، صفّارة البداية لانتقال المواجهة بين السلطات في واشنطن، من جهة، والجامعات الأميركية، وطلابها، من جهة أخرى، نحو مرحلة أكثر فجاجة وشراسة، مقارنةً بالعهد السابق الذي انصبّت معظم جهوده على كيفية إخماد "الحَ


شكّلت انطلاقة عهد إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، صفّارة البداية لانتقال المواجهة بين السلطات في واشنطن، من جهة، والجامعات الأميركية، وطلابها، من جهة أخرى، نحو مرحلة أكثر فجاجة وشراسة، مقارنةً بالعهد السابق الذي انصبّت معظم جهوده على كيفية إخماد "الحَراك الطالبي" الذي طاول معظم الجامعات داخل الولايات المتحدة، احتجاجاً على حرب غزة، وتنديداً بالدعم الأميركي لإسرائيل.
وعلى وقع شروع ترامب، منذ عودته إلى البيت الأبيض، بسلسلة إجراءات جديدة ضدّ الجامعات والطلبة، ومنها التهديد بإلغاء الإعفاء الضريبي الممنوح لبعض تلك الجامعات باعتبارها مؤسسات تعليمية غير ربحية، وفي طليعتها "هارفرد"، أعاد الرئيس الجمهوري، أول أمس، التصويب على إحدى أعرق المؤسسات التعليمية في البلاد وأغناها، بالقول إنّه لم يَعُد من الممكن اعتبارها "مكاناً لائقاً للتعليم"، مضيفاً أنّه "لا ينبغي إدراجها في أيٍّ من قوائم أفضل جامعات أو كليات العالم".
وإذ يُدرج الرجل ردود فعله تلك في إطار ما يسمّيه "معاداة للسامية" وتأييد حركة "حماس" داخل الأوساط التعليمية والأكاديمية الأميركية، لكنها تستبطن، وفق محلّلين، ليس فقط معاقبة الطلبة وإدارات الجامعات، بل وضمان عدم تجدُّد أيّ شكل من أشكال الاحتجاج ضدّ إسرائيل فيها مستقبلاً. ومتابعاً هجومه على "هارفرد"، عبر منصته "تروث سوشال"، شدّد ترامب على أن الجامعة "مجرّد مهزلة تعلّم الكراهية والغباء، لا ينبغي أن تتلقّى تمويلاً فدرالياً بعد الآن"، مطالباً إدارتها بـ"تغيير سياساتها"، بما في ذلك كيفية اختيار الطلبة والموظفين، وإخضاع برامجها وأقسامها الأكاديمية (خصوصاً قسم دراسات الشرق الأوسط) لعمليات تدقيق.
وعلى هذا المنوال، هدّدت وزارة الأمن الداخلي الأميركية، في بيان، بمنع "هارفرد" من قبول طلبة أجانب، في حال عدم موافقتها على شرط "الخضوع" لإشراف حكومي على عمليات قبول الطلبة، والتوظيف والتوجّه السياسي، محذّرةً من أنّه "في حال لم تتمكّن هارفرد من إثبات امتثالها الكامل لمتطلبات الإبلاغ، فستفقد امتياز قبول طلبة أجانب" (يشكّلون أكثر من 27% من طلبتها خلال السنة الدراسية الحالية). وأعلنت الوزارة أنه تم "إلغاء منحتين بقيمة إجمالية بنحو 2.7 مليون دولار"، كانتا مقرّرتين لـ"هارفرد"، معلّلة قرارها بتجميد البيت الأبيض 2.2 مليار دولار من التمويل الاتحادي المخصّص للجامعة، واقتراحه في وقت سابق إلغاء وضع إعفائها من الضرائب، بزعم "تبنّيها أيديولوجية متطرفة".
في المقابل، وخلافاً للعديد من الجامعات الأميركية الأخرى التي رضخت تحت وطأة تهديد السلطات، رفضت "هارفرد"، على لسان رئيسها آلن غاربر، محاولات إدارة ترامب إجبار الجامعة على الخضوع لإشراف حكومي واسع، مجدّداً التأكيد على أن جامعته "لن تتخلّى عن استقلالها ولا عن حقوقها التي يكفلها الدستور".
وفي معرض انتقادها ما بات يُعرف بـ"حرب ترامب على مؤسسات التعليم العالي الجامعية في الولايات المتحدة"، اعتبرت صحيفة "واشنطن بوست" أنّ تجميد أكثر من مليارَي دولار من التمويل الفدرالي المخصّص لـ"هارفرد"، والذي يمثّل 11% من إيراداتها، ويسهم في أبحاثها العلمية، بخاصة الطبية منها، يشكّل جزءاً من "حملة أوسع" تشنّها الإدارة ضدّ الجامعات الأميركية، على خلفية قضايا مختلفة، مثل "معاداة السامية والاحتجاجات المناهضة للحرب في غزة وبرامج التنوع والشمول".
ونبّهت الصحيفة إلى التبعات السلبية لتلك الحملة على مستقبل البحث العلمي في الولايات المتحدة، جازمةً بأن سياسات ترامب تسهم في "القضاء على أهمّ صادرات البلاد"، في إشارة إلى التعليم العالي. وأردفت "واشنطن بوست" أن أقساط الطلبة الدوليين في الجامعات الأميركية تدرّ دخلاً يفوق دخل صادرات قيّمة مثل الغاز الطبيعي والفحم، وتساعد في تمويل المنح الدراسية للأميركيين ذوي الدخل المحدود، محذّرة من أن حملة ترامب تقوّض قوى البلاد "الناعمة" وصورتها حول العالم، عبر تنفير الطلبة الدوليين من الجامعات، ممَّن يتشرّبون القيم الأميركية ويعودون بها إلى بلدانهم.
كما ثمّنت الصحيفة الأميركية موقف جامعة "هارفرد"، واصفة إيّاه بـ"البطولي"، و"النبيل"، في مواجهة الابتزاز السياسي والاقتصادي "المهين" من إدارة ترامب.
وفي ذات الاتجاه، رأت صحيفة "ذا غارديان" البريطانية أن وقوف "هارفرد" في وجه ترامب قد يشكّل نقطة تحوّل في العلاقة بين الجامعات الأميركية والبيت الأبيض، في ظلّ سعي الأخير إلى فرض رقابة أيديولوجية على التعليم العالي، معتبرة أن مطالب الرئيس بإلغاء برامج التنوع وتعيين أساتذة من "وجهات نظر متنوعة" ما هي إلّا غطاء لهجمة أوسع على الفكر الليبرالي في الجامعات.
أما صحيفة "وول ستريت جورنال"، فقد عرّجت على تأييد عدد غير قليل من المؤسسات التعليمية الأميركية لموقف "هارفرد"، كجامعتَي "ستانفورد"، و"برينستون"، في موازاة تجرّؤ مؤسسات تعليمية أخرى كـ"معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا" على رفع دعاوى قضائية ضدّ الإدارة الأميركية، بغية حثّها على وقف التخفيضات في المنح البحثية الفدرالية، مستنتجة أن ما أقدمت عليه "هارفرد" جعلها "رمزاً للمقاومة الأكاديمية" ضدّ التدخل الحكومي في الشؤون الجامعية.
وفي إطار استنكاره خضوع بعض الجامعات لنهج ترامب الترهيبي، كـ"كولومبيا"، أعرب الأستاذ في الجامعة المذكورة، والحائز جائزة "نوبل" في الاقتصاد، جوزيف ستيغليتز، عن قلقه إزاء استهداف الطلبة الفلسطينيين ومحاولات ترحيلهم، واصفاً هذه التصرفات بأنها جزء من نمط متعمَّد للترهيب ومنع الاحتجاج واستهداف فئات معينة من الطلبة. وفي مقابلة مع موقع "ذي إنترسبت"، شدّد ستيغليتز على أهمية التمويل الحكومي لاستمرار الجامعات، مستدركاً بأنّه "إذا ما خسرنا حريتنا الأكاديمية، فقد خسرنا كل شيء".
