دبلوماسية أوروبية بلا أثر | واشنطن لكييف: الاتفاق الآن

لندن | نتجت من المحاولات الأوروبية للعب دور ما في جهود وقف الحرب في أوكرانيا، كارثة دبلوماسية تامّة، بعدما قرّر الأميركيون خفض مستوى تمثيلهم في محادثات أوروبية - أميركية - أوكرانية كان من المُفترض عقدها في لندن، أمس. وأبلغ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، نظيره البريطاني ديفيد لامي، في وقت متأخر من مساء الثلاثاء، بأنه لن يحضر المحادثات، وسط تكهنات حول إحراز تقدُّم ملموس في المفاوضات الروسية - الأميركية المباشرة لإنهاء الحرب. وقال روبيو إنه سيعيد جدولة رحلته إلى المملكة المتحدة «إلى وقت لاحق في الأشهر المقبلة».
وفي منشور عبر منصة «إكس»، قبل منتصف ليل الثلاثاء - الأربعاء بقليل، وصف لامي، من جهته، مناقشاته الهاتفية مع روبيو بأنها كانت «مثمرة»، لكنه أشار إلى أن محادثات لندن ستجري بتمثيل أدنى قليلاً، نظراً إلى تعذّر حضور الوزير الأميركي. وأضاف: «المحادثات مستمرّة بوتيرة سريعة، وسيجتمع المسؤولون في لندن غداً (الأربعاء). هذه لحظة حرجة لأوكرانيا، وبريطانيا، والأمن الأوروبي والأطلسي».
لكنّ بياناً مقتضباً صدر في وقت لاحق عن وزارة الخارجية البريطانية، أفاد بأن الاجتماعات الوزارية - التي كان من المُقرّر أن تشارك فيها إلى جانب بريطانيا والولايات المتحدة وأوكرانيا كل من فرنسا وألمانيا – ألغيت، وسيتمّ استبدالها بمناقشات ومشاورات خلف الكواليس. وبحسب ما يدور في أجواء الخارجية البريطانية، فإن المبعوث الخاص للرئيس الأميركي، ستيف ويتكوف، لن يسافر إلى لندن، التي سيصلها المبعوث الأميركي لشؤون أوكرانيا، كيث كيلوغ، الأدنى رتبة، وقد يلتقي مسؤولين أوكرانيين وصلوا بالفعل لتمثيل بلادهم، بمن فيهم وزير الخارجية أندريه سيبيها، كما الوزير لامي، وزميله وزير الدفاع البريطاني جون هيلي.
وأَمِلَ الأوروبيون من جدولة الاجتماع، استعادة الزخم لعلاقات التحالف التقليدية على جانبَي الأطلسي، وانتزاع دور ما في العملية التي أطلقها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، للتوصّل إلى اتفاق مع موسكو لوقف الحرب المستمرة في أوكرانيا، منذ أكثر من ثلاث سنوات، ولا سيما مع تسارع الإشارات حول تقدّم يحقّقه مفاوضو البلدين.
وكانت صحيفة بريطانية كشفت أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، اقترح تجميد الصراع في أوكرانيا عند خطّ المواجهة الحالي، كجزء من الجهود المبذولة للتوصّل إلى اتفاق سلام، في إطار مبادرة ترامب. وقالت «فايننشال تايمز» إن الرئيس الروسي أخبر ويتكوف، خلال اجتماعهما في سان بطرسبرغ في وقت سابق هذا الشهر، أن موسكو قد تتخلّى عن مطالبها في ما تبقّى من ثلاث مقاطعات سيطر الجيش الروسي على أجزاء كبيرة منها، لكن بعضها لا يزال تحت سيطرة كييف، من أصل أربع أعلنت روسيا - من جانب واحد - ضمّها إلى أراضيها.
اقترح بوتين تجميد الصراع في أوكرانيا عند خطّ المواجهة الحالي
ونقلت الصحيفة عن مطّلعين على مضمون المفاوضات الأميركية - الروسية، قولهم إن الولايات المتحدة طرحت في المقابل، أفكاراً لتسوية محتملة تشمل اعتراف واشنطن بـ«روسيّة» أراضي شبه جزيرة القرم - ضمّتها روسيا عام 2014 -، بالإضافة إلى المناطق في المقاطعات الأربع التي يسيطر عليها الجيش الروسي حالياً.
وفيما عدّ مراقبون في عدّة عواصم أوروبية نقلة بوتين المفترضة - والتي لم تؤكدها مصادر روسية بعد -، بمثابة اختراق نوعيّ لناحية التنازل عن مطالب الحدّ الأقصى التي طرحتها موسكو في بداية المفاوضات، حذّر مسؤولون أوروبيون من أن المفاوض الروسي يستخدم هذا التنازل (الشكلي) لإشعار ترامب بإمكان تحقيق تسوية قريبة، وبالتالي دفعه إلى قبول اشتراطات موسكو الأخرى وفرضها على الجانب الأوكراني كأمر واقع، ولا سيما لناحية الاعتراف بضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم. وتشمل الشروط الروسية الأخرى، منع انضمام أوكرانيا إلى «حلف شمال الأطلسي»، وإنهاء المساعدات العسكرية الغربية للجيش الأوكراني، وحظر وجود قوات غربية على كامل الأراضي الأوكرانية.
من جهته، أكّد الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، في مقابلة صحافية، أن «المفاوضات مستمرّة بوتيرة عالية، ونحن بالفعل على تواصل دائم مع الأميركيين، لكنّ العمل دقيق ويستغرق الكثير من الوقت، لذلك من الصعب توقّع نتائج فورية، لكن ذلك يجب أن يتمّ في صمت وليس عبر وسائل الإعلام». وقال بيسكوف، لاحقاً، إن ويتكوف سيزور موسكو لمزيد من المحادثات هذا الأسبوع، نافياً وجود أيّ دور أوكراني أو أوروبيّ في المفاوضات إلى الآن، ومشدّداً على أن بلاده لا تزال على موقفها لناحية معارضة نشر أيّ قوّة أوروبية داخل أوكرانيا.
وفيما قالت وزارة الخارجية الأميركية إنها لا تستطيع التعليق على «مضمون المفاوضات» مع الجانب الروسي، زعم الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، أنه لم يتلقَّ أيّ اقتراحات من الحليف الأميركي حول خطوات محدّدة لإنهاء الحرب مع روسيا. وقال: «بالطبع، هنالك تلميحات وأفكار ومناقشات، لكنّ أيّاً منها لا يرقى ليكون اقتراحاً رسمياً»، مؤكّداً أن بلاده «لن تعترف أبداً باحتلال شبه جزيرة القرم أو أيٍّ من الأراضي التي تسيطر عليها القوات الروسية»، لكنه عبّر عن استعداده لإجراء محادثات مباشرة مع بوتين، «شريطة أن يتحقّق وقف (شامل) لإطلاق النار».
وكان الرئيس الأوكراني يأمل في أن تكون المهمة الأساسية لمحادثات لندن - الملغاة - «الضغط من أجل تحقُّق وقف إطلاق نار غير مشروط»، لكنّ روسيا تقول إن وقفاً شاملاً مثل ذاك، مرتبط بالضرورة بتحقيق تقدّم في التسوية. على أن مسؤولين أوكرانيين تحدّثوا بصفة غير رسميّة عن تعرّض كييف لضغوط هائلة من الأميركيين، وأنّ ثمة توجّهاً لتقبّل بعض المقترحات التي طرحها ترامب وفريقه، لتجنُّب خسارة كل شيء، ومن ذلك نشر قوات أوروبية عبر أوكرانيا، إلى جانب قوّة عسكرية منفصلة غير تابعة لـ«الناتو»، للمساعدة في مراقبة وقف إطلاق النار على طول منطقة منزوعة السلاح بين مواقع الجيشَين الروسي والأوكراني.

