
في مشهد يعكس التناقض السياسي بأوضح صوره، يصبُّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ولايته الثانية كل جهده، وعبر استثمار كلّ نفوذه السياسي، للفوز بلقب «رئيس السلام».
رغم أن سجلّه، الممتدّ منذ ولايته الأولى؛ مليء بالعدوانية، وفرض العقوبات، وإشعال النزاعات، إلّا أن طموحه يبدو أكثر وضوحاً الآن: اتفاق نووي جديد مع إيران، وتسوية للحرب الروسية - الأوكرانية. ويرمي بذلك إلى إعادة صياغة صورته في كتب التاريخ، والاقتراب من الجائزة التي لطالما حلم بها؛ «جائزة نوبل للسلام»، التي حصل عليها الرئيس السابق باراك أوباما، خصمه اللدود، قبل سنوات.
مصلحة شخصية أم أمن قومي؟
في أيار 2018، أعلن ترامب انسحاب واشنطن الأحادي الجانب من الاتفاق النووي مع إيران، معتبراً أن الاتفاق الذي وقّعته إدارة أوباما في عام 2015 «اتفاق مخجل». ووصفه بأنه «كارثة لا تصدّق» و«أسوأ اتفاق دخلت فيه أميركا».
ولكن، ومنذ مطلع 2025، بات واضحاً أن ترامب، الذي جعل من خطاب «أميركا أولاً»، أداة لإعادة رسم تحالفات بلاده، يسعى لتدوير زوايا خلافه مع طهران، مع فتحه قنوات للتفاوض، يقودها رجل الأعمال الأميركي ستيف ويتكوف، صديقه الذي لا يمتلك باعاً دبلوماسياً معروفاً. وهو ما يعكس الطبيعة الشخصية الصرفة لهذا المسعى، الذي يبدو أن ملامحه لا ترتبط بحسابات أمن وسلام أو سياسات تقليدية، بقدر ما ترتبط برغبة شخصية لدى ترامب لتجميل إرثه السياسي، المُلطّخ بقرارات أحادية وصراعات لم تضع أوزارها.
-
(أ ف ب)
في الوقت ذاته، كثّف ترامب الذي كان قد تعهّد بإنهاء الحرب في أوكرانيا في خضمّ حملته الانتخابية، من تصريحاته حول رغبته في إنهاء الحرب الروسية - الأوكرانية، مقدّماً نفسه كـ«الوسيط الوحيد القادر على إقناع بوتين وزيلينسكي بالجلوس على طاولة واحدة».
وكان ترامب عبّر مراراً عن استيائه من نيل أوباما «جائزة نوبل للسلام» في عام 2009. ففي تجمع انتخابي عام 2019، قال ساخراً: «أوباما حصل على نوبل في أيامه الأولى بالرئاسة، وأنا من وقّعت اتفاقيات سلام مع دول مثل الإمارات وإسرائيل، ولم أحصل على شيء».
مع كل ذلك، يبدو واضحاً أن مساعي ترامب للتوصل إلى اتفاق مع إيران، كما محاولاته التوسط بين روسيا وأوكرانيا، لا تنبع فقط من حاجة استراتيجية للحد من التوتر النووي أو إنهاء الحروب، بل من رغبة عميقة في إعادة صياغة صورته أمام التاريخ، رئيساً «للصفقات» لا رئيساً «للحروب»، رغم أن مسيرته، حتى الآن، تحكي العكس.
تلك هي السياسة على الطريقة الترامبية: اليد ملطّخة، والعين على «جائزة نوبل للسلام»، والهدف أبعد ما يكون عن المبادئ وأقرب ما يكون إلى نرجسية البقاء في السطر الأخير من كُتب التاريخ.

