
عاد التوتر العسكري ليخيم على الحدود بين الهند وباكستان، وتحديداً على امتداد «خط السيطرة» الفاصل في إقليم كشمير المتنازع عليه. الاشتباكات الأخيرة بالمدفعية والأسلحة الرشاشة، والتي أسفرت عن مقتل مدنيين وجرح العشرات، تُعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر النقاط اشتعالاً في آسيا، في ظل توازن إقليمي دقيق يشوبه الكثير من الهشاشة الإستراتيجية، ما يُعد أكثر من مجرد تصعيد حدودي، بل انعكاس لتراكمات تاريخية، وحسابات سياسية داخلية، ومناورات جيوسياسية تتقاطع فيها مصالح قوى كبرى، على رأسها الصين والولايات المتحدة، التي تحاول في آن معاً دعم الهند إستراتيجياً واحتواء أي انفجار قد يخلط أوراق التوازن الإقليمي.
منذ تقسيم شبه القارة الهندية عام 1947، شكّلت كشمير جرحاً مفتوحاً في العلاقات الثنائية. وبينما تسيطر الهند على القسم الأكبر من الإقليم، تصرّ باكستان على أن الوضع القانوني للمنطقة لم يُحسم قط، وتطالب بتطبيق قرارات الأمم المتحدة حول حق تقرير المصير.
«ردع نووي» لا يمنع التصعيد
تمتلك كل من نيودلهي وإسلام آباد ترسانة نووية، ما يجعل من أي نزاع مباشر قضية أمن إقليمي ودولي. لكن هذا الردع لم يمنع اندلاع اشتباكات محدودة بين الفينة والأخرى، بل أسهم في تعزيز ما يُعرف بـ«الحروب تحت العتبة النووية»، إذ تُستخدم المواجهات لتسجيل نقاط سياسية أو ميدانية من دون الوصول إلى حرب شاملة.
وفي أوقات التوتر الداخلي، سواء بسبب الأزمات الاقتصادية أو قرب الاستحقاقات الانتخابية، تميل الحكومتان في نيودلهي وإسلام آباد إلى تصعيد الخطاب القومي، وأحياناً السماح باشتباكات محدودة كوسيلة لحشد الرأي العام. ويأتي التصعيد الحالي بعد أسابيع من احتجاجات في باكستان على خلفية أزمة حكم، وفي ظل تصاعد الضغوط على حكومة الهند بخصوص الوضع في كشمير وحقوق الأقليات.
-
عناصر من حرس الحدود الهندي (أ ف ب)
في المقلب الآخر، تلعب الولايات المتحدة دوراً مزدوجاً في هذه الأزمة. ففي الهند، تُعدّ واشنطن شريكاً إستراتيجياً في مواجهة النفوذ الصيني المتزايد، وتمدها بالتكنولوجيا الدفاعية وتشارك في مناورات بحرية ضمن إطار «الرباعية».
أما في باكستان، فالعلاقة أكثر تعقيداً؛ فبعد سنوات من التعاون في ملف أفغانستان، تشهد العلاقات فتوراً، ولا سيما بعد تقارب باكستان مع الصين، غير أن واشنطن ما تزال تعتبر باكستان لاعباً لا يمكن تجاهله في معادلة الاستقرار الإقليمي.
وفي خضم التصعيد الأخير، بدا الموقف الأميركي مائلاً إلى ضبط النفس، مع اتصالات غير معلنة للطرفين، تحذّر من الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد تؤثر في خطوط التجارة الدولية، وخطط واشنطن في «إعادة التوازن إلى المحيطين الهندي والهادئ». ومع غياب الآليات الإقليمية، إذ يفتقر جنوب آسيا إلى آلية إقليمية فعالة لتسوية النزاعات على غرار الاتحاد الأوروبي، لا تزال المبادرات الثنائية، مثل «عملية لاهور» أو «قمة آغرا»، رهينة الظروف السياسية واللحظات النادرة من التهدئة، في حين يبقى المجتمع الدولي حاضراً حين تشتد الأزمة وغائباً في البناء المستدام للسلام.
ثلاث جبهات وأجندة واحدة: احتواء الصين بإستراتيجية أميركية متكاملة
بين جبال الهيمالايا وعمق المحيط الهادئ، تمتد دوائر التوتر المحيطة بالصين، ويكاد لا يخلو أي من هذه النقاط من بصمة أميركية. من النزاع الحدودي بين الهند وباكستان إلى الصراع السيادي في بحر الصين الجنوبي وأزمة تايوان، تتنوع الأساليب وتتوحد الإستراتيجية: احتواء الصين عبر إشغال محيطها.
لا تتحرك الولايات المتحدة بشكل مباشر في التوتر بين الهند وباكستان حول كشمير، لكنها تستثمر في الوضع القائم، فهي تدعم الهند عسكرياً وتكنولوجياً عبر اتفاقيات إستراتيجية، باعتبارها الخصم الجغرافي الطبيعي للصين، ولا تدين التوترات ما دامت لا تتجاوز «الخط الأحمر النووي»، في حين تُبقي على توازن حذر مع باكستان، رغم فتور العلاقات، نظراً إلى ارتباط إسلام آباد ببكين. هذا الصراع المزمن يسمح لواشنطن بدفع الهند إلى تعزيز قوتها العسكرية، وتحقيق توازن إقليمي يضغط على الصين من الغرب، من دون كلفة المواجهة المباشرة.
أما في بحر الصين الجنوبي، الخط الأمامي للمناوشات البحرية، فتختلف الصورة إذ تتحرك الولايات المتحدة علناً وبقوة، فتسيّر سفنها في مياه تطالب بها الصين، تحت شعار «حرية الملاحة»، وتعقد تحالفات مع دول مثل الفليبين وفيتنام وماليزيا، كما أنها تسعى إلى تثبيت وجود عسكري دائم قرب الممرات التجارية العالمية. في هذا المسرح، تتحدى واشنطن طموحات بكين في تحويل البحر إلى «بحيرة صينية»، وتخشى أن يؤدي السكوت إلى هيمنة اقتصادية وعسكرية صينية على واحد من أهم المسارات البحرية في العالم.
-
سفينة عسكرية أميركية (أ ف ب)
وما بين جبال الهيمالايا وبحر الصين الجنوبي، تمثّل تايوان أزمة السيادة الأكثر حساسية، وتبقى الاختبار الأخطر للعلاقات الأميركية – الصينية. ورغم أن الولايات المتحدة لا تعترف رسمياً باستقلال تايوان، لكنها تزوّدها بالسلاح وتدعمها ديبلوماسياً، ويثير الوجود الأميركي البحري والجوي في المنطقة حفيظة الصين التي تعدّ الجزيرة جزءاً من أراضيها. في حين، يُراوح الخطاب الأميركي بين «الغموض الإستراتيجي» و«الردع الواضح» في حال أي تحرك عسكري صيني.
في هذه النقطة تحديداً، لا يمكن فصل دعم تايوان عن إستراتيجية احتواء الصين في المحيط الهادئ، وقطع الطريق أمام أي توسع محتمل يهدد النفوذ الأميركي.
على أي حال، تستثمر الولايات المتحدة في التوترات المحيطة بالصين كلٌ بحسب ظرفه. ففي كشمير تستثمر واشنطن بشكل غير مباشر في نزاع مستمر، يعزز قوة الهند ويضعف باكستان (حليفة الصين). وفي بحر الصين الجنوبي تمتلك وجوداً مباشراً مع استفزاز محسوب لردع بكين بحرياً. أما في تايوان فترسم خط تماس إستراتيجياً يُختبر فيه التوازن بين الردع والتصعيد.
وفي كل الأحوال، لا تسعى واشنطن إلى حروب كبرى، بل إلى صنع أزمات مدروسة، تُبقي الصين منشغلة ومقيّدة في محيطها، في وقت تحاول فيه الحفاظ على تفوّقها في النظام الدولي المتحوّل.

