حادثة واشنطن «تلهم» ترامب: ضرب صرح الأكاديميا
يبدو أن لمنفّذ عملية واشنطن، إلياس رودريغيز، التي أدّت إلى مقتل إسرائيليَّين قرب «المتحف اليهودي»، في العاصمة الأميركية، «تاريخاً من النشاط السياسي، بما في ذلك إدانة نفوذ الشركات، والإجراءات العسكرية الأميركية، وانتهاكات الشرطة»، وفق ما أفادت به «سي إن إن»


يبدو أن لمنفّذ عملية واشنطن، إلياس رودريغيز، التي أدّت إلى مقتل إسرائيليَّين قرب «المتحف اليهودي»، في العاصمة الأميركية، «تاريخاً من النشاط السياسي، بما في ذلك إدانة نفوذ الشركات، والإجراءات العسكرية الأميركية، وانتهاكات الشرطة»، وفق ما أفادت به «سي إن إن». ويصف تقرير الشبكة، استناداً إلى شهادة نُشرت في صفحة «GoFundMe»، عام 2017، مع صورة لرودريغيز، كيف أشعلت مهمّة والده في العراق، عندما كان في الـ11 من عمره، شرارة صحوته السياسية لمنع «جيل آخر من الأميركيين العائدين إلى ديارهم، من حروب الإبادة الجماعية الإمبريالية». وفي السنوات التي سبقت اعتقاله، «تحالف رودريغيز علناً مع عدّة جماعات يسارية في منطقة شيكاغو»، طبقاً للتقرير.
على أنّ المحقّقين لم يذكروا، إلى الآن، أيّ معلومات حول ارتباط رودريغيز بالتظاهرات الداعمة لفلسطين التي شهدتها الجامعات الأميركية، العام الماضي، فيما أظهرت معطيات «مكتب التحقيقات الفدرالي» الذي يبحث في خلفية الشاب ودوافعه، أنّ الأخير «تصرّف بمفرده». ومع ذلك، شكّلت العملية المشار إليها، وفقاً لمراقبين، «نقطة تحوّل» في حملة إدارة دونالد ترامب لمكافحة «معاداة السامية»، بعدما عمد البيت الأبيض، ووزارة العدل، إلى ربطها بالاحتجاجات المتواصلة في الجامعات، على خلفية الإبادة الإسرائيلية المستمرّة في غزة. وقالت الناطقة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت: «بصراحة، شهدنا مزيداً من الاحتجاجات المعادية للسامية، والاحتجاجات المؤيّدة لحماس وتلك المتعاطفة مع الإرهابيين، رأيناها في حرم جامعاتنا»، فيما لفتت إلى أن «إدارة ترامب عملت أكثر من أيّ إدارة في التاريخ، للقضاء على معاداة السامية».
وفي الوقت نفسه، قال السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، يحيئيل ليتر، إن ترامب «أكّد من جديد التزامه باقتلاع معاداة السامية العنيفة التي اجتاحت الحرم الجامعي» في أميركا، وذلك خلال مكالمة أجراها، أول أمس، مع رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، وبحثا في إطارها «مجموعة من القضايا، وفي مقدّمها مقتل الموظفَين في السفارة الإسرائيلية».
وقد أثارت التصريحات الرسمية الأميركية مخاوف في أوساط بعض الجماعات اليهودية؛ إذ إنّه وعلى الرغم من أنّ تلك الجماعات أدانت بدورها عملية إطلاق النار، لكنها حذّرت من احتمال «التلاعب بهذه المأساة من قِبَل اليمين المتطرّف، لتجريم كل الانتقادات الموجّهة إلى إسرائيل باسم مكافحة معاداة السامية»، وفقاً لما قاله الحاخام جيل جاكوبس، مضيفاً: «علينا التفريق بوضوح بين الهجمات المعادية للسامية مثل التي حصلت، والانتقادات المشروعة لإسرائيل والسياسة الإسرائيلية، وهو أمر تخضع له إسرائيل مثل أيّ دولة أخرى».
أثارت التصريحات الرسمية الأميركية مخاوف في أوساط بعض الجماعات اليهودية
وشهدت الساعات التي تلت العملية، تصعيداً في «هجمات» إدارة ترامب على كبرى الجامعات الأميركية، بما في ذلك «كولومبيا»، التي اتّهمها الرئيس بـ«انتهاك قانون الحقوق المدنية، من خلال التصرّف بلامبالاة متعمّدة تجاه التمييز ضدّ الطلاب اليهود». وفي هذا السياق، قال «مكتب الحقوق المدنية» في وزارة الصحة والخدمات الإنسانية، في بيان، إنه أجرى تحقيقاً على مدى 19 شهراً بعد السابع من أكتوبر، وخلص إلى نتائج «توثّق بعناية البيئة المعادية التي اضطرّ الطلاب اليهود (في جامعة كولومبيا) إلى تحمُّلها، ما أدّى إلى تعطيل تعليمهم وسلامتهم ورفاهيتهم».
وجاء الإعلان في الوقت الذي تجري فيه إدارة ترامب مفاوضات مع الجامعة في شأن التمويل الفدرالي، وذلك في أعقاب تخفيض بقيمة 400 مليون دولار من العقود والمنح الخاصة بالجامعة، أجرته في آذار، بذريعة أنها «فشلت في اتّخاذ إجراءات صارمة بشكل كافٍ ضدّ أعمال معاداة السامية في حرمها الجامعي».
من جهتها، تعرّضت جامعة «هارفارد» إلى «ضربة أقسى»، في ضوء إبطال إدارة ترامب حقّها في تسجيل الطلبة الأجانب، بحجّة «عدم الامتثال لمتطلّبات وزارة الأمن الداخلي، وخلقها بيئة غير آمنة لليهود»، ما يعني فقدان الجامعة امتياز استقبال طلاب يمثّلون أكثر من 27% من المسجَّلين للعام الدراسي 2024-2025، ومصدر تمويل «حاسم» بالنسبة إليها.
وعقب تلقّي الجامعة رسالة من وزيرة الأمن الداخلي، بإلغاء برنامج الطلاب الزائرين والتبادل الطالبي «على الفور»، لفتت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أنّ الخطوة المشار إليها تعكس «تكثيفاً لمحاولة الإدارة قلب ثقافة التعليم العالي رأساً على عقب، من خلال تقويض قدرة إحدى الجامعات الرائدة في البلاد على جذب أفضل وألمع الطلبة من جميع أنحاء العالم بشكل مباشر»، مؤكدةً أنّ «تلك القدرة شكّلت، في جميع الأوساط الأكاديمية، ومنذ فترة طويلة، واحداً من أعظم مصادر القوّة الأكاديمية والاقتصادية والعلمية في الولايات المتحدة».
وعلى رغم مسارعة ترامب إلى إدانة عملية قتل موظفَي السفارة، وإجرائه اتصالاً بنتنياهو، إلا أن «الخلاف بينهما مستمرّ خلف الكواليس»، وفق تقرير نشره موقع «بوليتيكو» الأميركي. ونقل الموقع عن خمسة مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين، قولهم إن العلاقة بين الزعيمَين «تعرّضت لضغوط في الأسابيع الأخيرة، بسبب اختلافهما حول كيفية التعامل مع أزمات الشرق الأوسط المتعدّدة، فيما من غير المرجّح أن تغيّر عملية القتل الصادمة في واشنطن ذلك».
وفي حين أن وصف الوضع الراهن بـ«تمزّق العلاقات» سيكون مبالغاً فيه، طبقاً للمصادر نفسها، إلا أنّ «عدداً متزايداً من الأشخاص في إدارة ترامب يشعرون بالإحباط من إسرائيل ونهجها تجاه واشنطن والشرق الأوسط»، فيما وصف شخص مقرّب من البيت الأبيض، نتنياهو بأنّه «أصعب شخص يمكن العمل معه في الملفات الراهنة». وبينما يرى ترامب في «عمليات القتل تلك، مؤشراً إلى الحاجة إلى اتّخاذ المزيد من الإجراءات الصارمة ضدّ معاداة السامية في الولايات المتحدة»، فإنّ أحد مسؤولي الإدارة أكّد أن «آراء ترامب في شأن إسرائيل ومعاداة السامية هي مسائل (منفصلة)».
ويأتي ذلك في وقت عمد فيه صنّاع السياسة في تل أبيب إلى تبنّي نهج مختلف كليّاً إزاء تلك القضيّة، زاعمين أنّ هجوم الأربعاء يرقى إلى مستوى «فتح جبهة جديدة في الحرب الأوسع في الشرق الأوسط، بما في ذلك من جانب (حماس) في غزة وإيران ووكلائها في أماكن أخرى على حدودها».
