
غروزني | «أهلاً وسهلاً بكم في المدينة الأكثر أماناً في روسيا»؛ بتلك العبارة، استقبلنا المسؤولون لحظة خروجنا من مطار غروزني، عاصمة جمهورية الشيشان التابعة للاتحاد الروسي. منذ اللحظة الأولى، بدا لنا أن سكان غروزني معتدّون بأنفسهم. هم يجاهرون بكرمهم، بنظافة شوارعهم، وبقلّة المدخنين وشاربي الكحول في ما بينهم. أما الضيف عندهم، فهو ليس موضع ترحيب فحسب، بل «نعمة من الله»، على حدّ تعبير أحد السكان، وبالتالي، يجب التعامل معه على أنه «مقدس».
يبدو واضحاً عليهم تمسكهم بمفهوم العائلة، ونبذ المفاهيم الغربية التي تتهدّد باجتياح مجتمعاتهم وتفكيكها. وبعيداً عن طبيعة سكانها، قد يتساءل البعض كيف تبدو غروزني اليوم، المدينة التي صنفها الخبراء، قبل عام 2003، على أنها «الأكثر دماراً في العالم»، مقترحين، آنذاك، نقل العاصمة إلى مدينة أخرى، بعدما خلصت ترجيحاتهم إلى أنّ بناءها قد يستغرق «سبعة عقود»؟
في حديث إلى «الأخبار»، يقول وزير جمهورية الشيشان للسياسة الوطنية والعلاقات الخارجية والصحافة والإعلام، أحمد مخمودوفيتش دوداييف، إن «عملاء خارجيين من 50 دولة حضروا إلى غروزني لزعزعة الاستقرار، وأسهموا في الأحداث المأساوية التي شهدتها المدينة»، لافتاً إلى أنه نتيجة لتلك الأحداث، قتل نحو 300 ألف مواطن، أي نحو ثلث السكان، وفقد نحو 19 ألف، فيما دمرت البنية التحتية بالكامل. في شوارع غروزني، صورٌ معلّقة توثّق الدمار الذي حلّ بالمدينة، ويستلهم منها الشيشانيون، طبقاً لمسؤولين في الوزارة، «الدروس والعبر»، ولا سيما في ما يتعلق بمكافحة التدخلات الخارجية «في عصر وسائل التواصل»، ونبذ التطرف الديني واستئصاله.
النهضة
خلال جولة لـ«الأخبار» في غروزني، بدا واضحاً أن إعادة الإعمار لم تستغرق سبعين سنة؛ بل في غضون نحو عقدين فقط، أصبح التطور العمراني والاقتصادي الذي شهدته المدينة، ومستوى الأمان الذي وصلت إليه، لافتاً للأنظار. هنا، تختلط المساجد الأثرية بالأبنية الحديثة التي تضاء ليلاً، والتي لم يتجاوز عمر بعضها السنتين، ولا سيما في ساحة غروزني الرئيسية، التي تتصل بشارع طويل مليء بالمطاعم والمحال.
أُغلق الشارع حديثاً أمام السيارات، ليكون متنفساً أمام المواطنين للسير ليلاً، لا سيما مع ازدياد وتيرة السياحة في المدينة. الساعة تقترب من منتصف الليل، ورغم ذلك، فقد كان كثير من الأطفال لا يزالون في الحدائق العامة، المنتشرة بكثرة في غروزني، كما في سائر أنحاء روسيا. أمّا لدى الخروج إلى أطراف المدينة، فتحلّ المنازل الريفية الصغيرة والملونة، المنتشرة بكثرة على المساحات الخضراء الشاسعة، مكان الأبنية العالية، ما يمنح غروزني مزيجاً فريداً من الهدوء والتطور.
«جوهرة» شالي
على بعد نحو 35 كيلومتراً من غروزني، وفي مدينة شالي تحديداً، يقع أكبر مسجد في أوروبا، بطول 64 متراً، وطراز يجمع بين الفنَين الأوزباكي والعثماني. أُطلق على المسجد الذي استمر بناؤه منذ عام 2013 وحتى عام 2019، اسم مسجد «نبي المسلمين». وصلنا إليه مع المغيب، عندما كان «الرخام اليوناني» الذي يميزه، يُضاء بألوان مختلفة. لم يكن معظمنا يعلم بوجود مثل هذا الصرح الاستثنائي، في خضمّ التعتيم الإعلامي الذي يحيط بالجمهورية، ومحاولة تصويرها على أنها منطقة مليئة بالمخاطر.
على بعد نحو 35 كيلومتراً من غروزني، وفي مدينة شالي تحديداً، يقع أكبر مسجد في أوروبا
إلا أنّ السياحة هنا تشهد، طبقاً للوزير أحمد مخمودوفيتش دوداييف، تقدماً ملحوظاً، إذ «يزداد عدد السياح في الشيشان، كل عام، بنسبة 50%». خلال لقائنا مع مفتي المدينة ونائبه، اللذين يشرفان على المسجد، أكّد الأخير - وهو أحمد راسويف، مساعد مفتي جمهورية الشيشان للعلاقات الخارجية ورئيس لجنة شؤون القرآن الكريم -، رداً على سؤال حول الآليات التي يتبعها من هم في موقع المسؤولية لمنع تجدد أعمال التطرف، أنّه «لا يوجد مسجد أو مدرسة دينية واحدة في الشيشان لا تتبع للإدارة الدينية الرسمية، والتي تتابع المجال الديني بالكامل، وتحرص على ألا يخضع أي منبر ديني لتأثير خارجي».
وأردف: «أسّسنا الشيشان على محاربة فكرة التطرّف. لقد عانينا كثيراً، واستطعنا استئصال الإرهاب والعيش بسلام. المسلم هنا يصلي ويصوم، وغير المسلم حرّ في ممارسة ما يريده من دون مضايقة». أمّا الوزير، فقد أفاد بأنه في عام 2000، كان عدد المساجد أكثر من 200 بقليل، فيما يبلغ اليوم أكثر من ألف و500، ما يعني أنه خلال عشرين سنة، تمّ افتتاح أكثر من ألف و300 مسجد. وأضاف المسؤول أنه نظراً إلى أن القانون الروسي «يجرّم الإساءة إلى أي ديانة أو كتاب مقدس، ويرحب بالالتزام بالدين والتقاليد والتراث، فإن صالح مجييف، مفتي جمهورية الشيشان، قد أكد، في غير محطة، أن العيش في مثل هذه الدولة، يفرض واجب الدفاع عنها».
تدريب القوات الخاصة
بالحديث عن الدفاع، استقبلنا، خلال تواجدنا في غروزني، آدم داشاييف، مدير «الجامعة الروسية للقوات الخاصة»، المعروفة باسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وتصنف تلك الجامعة التي أرسلت اعتباراً من عام 2025، 21 ألفاً و540 شخصاً إلى منطقة تنفيذ العمليات العسكرية الخاصة، على أنها أكبر وأحدث مركز عسكري في العالم لتأهيل وحدات العمليات الخاصة، كما إنها تكتسب «أهمية كبيرة للدفاع عن الاتحاد الروسي ومكافحة التهديدات الإرهابية وغيرها، لا سيما في ظل الوضع الجيوسياسي الراهن المعقد». وللجامعة المشار إليها «وظائف» أخرى، طبقاً للقيمين عليها، نظراً إلى أنها تضمّ نحو 12 اتحاداً رياضياً روسياً في مختلف أنواع الطيران، من مثل التسلق الجبلي والغوص والقفز بالمظلات، وغيرها. كما تولي اهتماماً خاصاً لتأهيل الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، خصوصاً عبر علاج «اللياقة البدنية عبر الطيران»، والتي تتمّ في غرف هوائية مغلقة.
لم يسعفنا الوقت، خلال تواجدنا في الشيشان، لزيارة القرية الفلسطينية التي أُنشئت خصيصاً لاستقبال اللاجئين من غزة، ولكن علِمنا من مسؤولين في وزارة جمهورية الشيشان للسياسة الوطنية والعلاقات الخارجية والصحافة والإعلام، أن عدد العائلات الفلسطينية بلغ 38، أي نحو 216 شخصاً، وأن كل عائلة أعطيت شقة مجهزة مؤلفة من 5 غرف. وتعمل السلطات في الشيشان، حالياً، على ضمان دمج الأطفال الغزيين في المؤسسات التعليمية، لمساعدتهم «على تجاوز التبعات النفسية للحرب، بتوجيه من رئيس الشيشان»، جنباً إلى جنب تأمين الوظائف والتعليم للبالغين.

