مقترح واشنطن قيد الدرس إيرانيّاً: الاتّفاق المؤقّت... لا يزال ممكناً
تسود الأجواء المحيطة بالمفاوضات الإيرانية - الأميركية، الضبابية، في ظلّ عدم وضوح المقترح الأميركي؛ فيما تمضي طهران بشروطها، ولاسيما لجهة حقّها في التخصيب.


طهران | مع إرسال الولايات المتحدة، عبر سلطنة عُمان، مقترحاً إلى إيران، متضمّناً أبرز مطالبها في سياق المفاوضات على اتّفاق نووي محتمل، انتشرت أخبار متناقضة حول الاقتراح وطبيعة الردّ الإيراني عليه؛ ففي حين سُرّب عبر الإعلام الأميركي، ما مفاده أنّ واشنطن وافقت على استمرار طهران في تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها، وإنْ بنسب مخفّضة جدّاً، عاد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وتحدّث عن خلاف ذلك، قائلاً إنّ أيّ اتّفاق نووي محتمل مع الإيرانيّين، لن يسمح للجمهورية الإسلامية بأيّ نوع من التخصيب، وفق ما كتبه عبر منصّة «تروث سوشال».
وقبل ساعات من التصريح الآنف، ذكر موقع «أكسيوس» الإخباري الأميركي، إنّ الاقتراح الخطّي الذي أرسلته واشنطن إلى طهران، يسمح للأخيرة بالاستمرار في التخصيب بنسبة متدنيّة، وفي مدّة زمنية محدّدة على أراضيها. ومن جهته، كان وزير الخارجية ماركو روبيو، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، قد شدّدا على «صفر تخصيب».
ويُعدّ مشروع التخصيب، واحداً من أكثر أقسام البرنامج النووي الإيراني إثارةً للجدل؛ إذ تقول طهران إنه يحقّ لها، وفقاً لـ«معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية» (إن بي تي) تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، بما في ذلك إنتاج الوقود للمفاعلات النووية، بيد أنّ الغرب يبدي خشيةً من أن تقوم إيران بتخصيب اليورانيوم بغرض إنتاج السلاح النووي. ووفقاً لأحدث تقرير لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، فإنّ الجمهورية الإسلامية خزّنت أكثر من 408 كيلوغرامات من اليورانيوم المخصّب حتى نسبة 60%؛ وهي النسبة التي لا تبعد كثيراً عن الـ90% اللّازمة لصنع سلاح نووي.
وبينما لم تعلّق السلطات الإيرانية رسميّاً على تفاصيل المقترح الأميركي، مؤكّدةً أنّ الإجابة عليه «قيد الإعداد»، لفتت «مصادر مطّلعة» في طهران، إلى أنّ واشنطن قدّمت للأخيرة مقترحين: «الأول، يقضي بأن تقوم إيران حالياً بتجميد التخصيب لمدّة محدّدة، وفي إطار اتّفاق مؤقّت، على أن يُتّخذ قرار في هذا الشأن مستقبلاً في إطار الاتّفاق النهائي؛ والثاني، يتضمّن تشكيل كونسورتيوم نووي يضمّ كلّاً من إيران وأميركا والسعودية والإمارات وقطر، لتخصيب اليورانيوم خارج الجمهورية الإسلامية، مقابل الوقف الكامل للتخصيب داخل الأراضي الإيرانية».
أحد الاقتراحَين يقضي بأن تقوم إيران بتجميد التخصيب لمدّة محدّدة، وفي إطار اتّفاق مؤقّت
ووفقاً لهذه المصادر، فإنّ «المقترح الأميركي لقيَ معارضة من جانب إيران، التي طالبت بإدخال تغييرات عليه، بما في ذلك إبداؤها موافقة مبدئيّة على تشكيل الكونسورتيوم، وهو ما كانت قد أعلنت في وقت سابق قبولها به، وحتى أنّ مشاورات أُجريت في هذا الخصوص أثناء الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إلى السعودية والإمارات. لكن إيران لا توافق على أن يحلّ هذا الكونسورتيوم محلّ مشروع التخصيب الوطني، بل تطالب بأن يكون إلى جانبه». وأكّدت المصادر أنّ السياسة الإيرانية «التي لا يمكن المساس بها»، تتمثّل في أنّ «أيّ اتّفاق يجب أن يقبل بحقّ إيران في تخصيب اليورانيوم، رغم أنّ الأخيرة مستعدّة لخفض نسبته وإبعاده؛ فضلاً عن أنّ هذه القيود يجب أن تُطبّق مقابل رفع العقوبات الأميركية».
وفي هذا المجال، أكّد عراقجي، أثناء لقائه الأخير مع المدير العام لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، رافايل غروسي، على هامش زيارته إلى القاهرة، أنّ «اتّفاقاً لن يحصل ما لم يُقرّ بحقّ إيران في التخصيب». كذلك، أكّد الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، أمس، أنّ «إيران ترحّب بالمفاوضات، لكنّ الغطرسة لا تندرج ضمن مبادئ الحوار»، وقال إنّ بلاده «أعلنت مراراً أنها لا تسعى إطلاقا لامتلاك سلاح نووي، وهي كانت وما تزال مستعدّة لأيّ نوع من التعاون لإثبات صحّة ذلك».
وفي سياق متّصل، قالت الناطقة باسم الحكومة الإيرانية، فاطمة مهاجراني، أمس، إنّ «جميع سيناريوهاتنا وخياراتنا مطروحة بالكامل، وكنّا وما نزال على دراية تامّة بهذه القضايا. ولذلك، فإنّ خطط الحكومة في المجالَين النووي والعقوبات واضحة تماماً، ولن نتردّد في تنفيذها. ومع ذلك، فإنّ إيران، وحفاظاً على مصالحها الوطنية، لن تترك أبداً طاولة المفاوضات».
ومن المقرّر التخطيط لعقد جولة سادسة من المفاوضات الإيرانية - الأميركية خلال الأيام المقبلة، حيث ستتركّز فيما يظهر على مقترح واشنطن، وملاحظات طهران عليه. ومع أنّ القضايا الخلافية بين الطرفين ما تزال قائمة، إلا أنّ تبادل الزيارات الدبلوماسية يُظهر أنّ الطرفَين يسعيان للتوصّل إلى نقطة اشتراك أو اتّفاق مؤقّت على الأقل. وفيما من المقرّر أن يلتئم الاجتماع الدوري لمجلس محافظِي «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، الأسبوع المقبل، في مقرّ الوكالة في فيينا، يشكّل الملفّ النووي الإيراني، وفقاً للمعتاد، الموضوع الرئيس على جدول أعماله.
وفي حال لم تتوصّل طهران وواشنطن إلى اتّفاق نووي في غضون الأيام القليلة المقبلة، فمن المرجّح أن تتحرّك الدول الأوروبية، ومعها الولايات المتحدة، في الاجتماع المقبل للوكالة، واستناداً إلى التقرير الأخير لغروسي، نحو تقديم مسوّدة قرار ضدّ الجمهورية الإسلامية، الأمر الذي يمكن أن يشكّل أداة ضغط إضافية على الأخيرة للقبول بمطالب الغرب؛ علماً أنّ إيران كانت قد حذّرت القوى الغربية من أيّ «استغلال سياسي» لتقرير غروسي، وحمّلتها مسؤولية تبعات ذلك.
