
موسكو | طوال الأيام الماضية، شكّل «الصمت» الروسي إزاء الهجوم الأوكراني الواسع النطاق على الأراضي الروسية، محطّ اهتمام العديد من وسائل الإعلام الغربية. وعلى الرغم من الضجة الإعلامية التي أحاطت بالهجوم، بما في ذلك من خلال الترويج لكونه يهدف إلى الضغط على موسكو، وإجبارها على «تقديم تنازلات» قبل يوم واحد من محادثات إسطنبول، إلا أنّ انعقاد الجولة الثانية من تلك المفاوضات، لا يعكس، طبقاً لخبراء، عدم وجود نية روسية للرد، أو استعداداً من جانب موسكو لتقديم أي تنازلات مستقبلية عن الشروط التي سبق أن حدّدتها لإنهاء الحرب.
وأمس، كسر نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، خلال مؤتمر صحافي في وكالة «تاس»، «الصمت» المشار إليه، مؤكداً أن وزارة الدفاع «في صدد اتخاذ قرارات بشأن كيفية الرد على الهجمات الأوكرانية الأخيرة والتي استهدفت المطارات الروسية والبنية التحتية للسكك الحديدية»، مشيراً إلى أنّ كل الخيارات «مطروحة على الطاولة»، فيما تبقى هذه المسألة مرتبطة بـ«القوات العسكرية الروسية والقائد الأعلى». وحذّر ريباكوف من أنّه قد يُنظر إلى غياب ردود الفعل من جانب المملكة المتحدة ودول غربية أخرى على ما جرى على أنه ترحيب، أو ربما حتى «تواطؤ» في الإعداد لتلك الهجمات، في حين طالبت الخارجية الروسية الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بالتحرك رداً على العملية الأوكرانية، بهدف «كسر حلقة التصعيد»، على حدّ تعبيرها.
وفي وقت لاحق، علّق الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بدوره، على التطورات الراهنة، بالإشارة إلى أن «الجرائم الأوكرانية المرتكبة ضد المدنيين قبل محادثات إسطنبول كانت تهدف إلى إفشالها»، وأن أوكرانيا «تعاني من خسائر فادحة وتتراجع على طول خط المواجهة، ولذلك تحاول ترهيب روسيا بهجمات إرهابية». وطبقاً للرئيس الروسي، فإنّ نظام كييف «لا يحتاج إلى السلام على الإطلاق، لأن ذلك يعني فقدانه السلطة»، كما أنّ أوكرانيا قد تستغل «أي هدنة مؤقتة لمواصلة التعبئة القسرية والتزوّد بالسلاح والتحضير لهجمات إرهابية».
إزاء ذلك، ورداً على سؤال حول مدى تأثير التصعيد الأخير على المفاوضات الروسية – الأوكرانية الجارية، يقول مدير «مركز الأبحاث العربية والإسلامية» في «معهد الاستشراق الروسي»، والمتخصّص في العلاقات الدولية، فاسيلي كوزنيتسوف، في حديث إلى «الأخبار»، إنّه «من خلال قراءتي للمواقف الرسمية الروسية، أعتقد بأنّ هناك تمسكاً باستئناف المفاوضات، ولهذا السبب لم يكن هناك ردّ فوري قوي، إلا أنّه سيكون هناك ردّ عسكري». ويردف: «روسيا ستردّ، لا نعرف كيف أو متى، لكنها ستفعل، وسيكون الردّ حساساً جداً بالنسبة إلى أوكرانيا»، مشيراً إلى أنّه في حين «تتبنى روسيا منطق الدبلوماسية، إلا أنّه هناك، كذلك، منطق الحرب في هذه الحالة».
يهدف هذا النوع من الضربات إلى كسب «اهتمام» وسائل الإعلام الغربية
وبصورة أعمّ، يرى مراقبون أنّ التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين كييف وموسكو «لا يزال بعيد المنال»، ولا سيما أنّ كييف وحلفاءها الغربيين كانوا قد رفضوا، في وقت سابق، الشروط نفسها التي تضمّنتها المسوّدة الروسية المُقدّمة أخيراً، بما في ذلك الانسحاب الأوكراني من المناطق التي تمكّنت روسيا من السيطرة عليها، وتجميد إرسال المساعدات الغربية، والتخلي عن الانضمام إلى «الناتو»، وغيرها من الشروط.
وأكّدت التصريحات التي صدرت، أمس، عن رئيس الوفد الروسي، فلاديمير ميدينسكي، تلك النقطة؛ إذ أشار إلى أنّ «المحادثات الأخيرة بدأت بجلسة ماراثونية، وجهاً لوجه، استمرت لأكثر من ثلاث ساعات، وكشفت عن هوّة عميقة في الرؤى، حيث ظهر الجانب الأوكراني متردّداً». وأضاف ميدينسكي أن الوفد الأوكراني اكتفى بـ«وعد مجاملة» بدراسة المذكّرة الروسية، بينما أصرّ على شرطه المُسبق بوقف إطلاق نار لمدة ثلاثين يوماً كمدخل لأي نقاش جادّ حول السلام. كما رفضت أوكرانيا أمس، عرضاً روسياً بوقف جزئي لإطلاق النار، ليومين أو ثلاثة، للسماح للطرفين بانتشال جثث القتلى من ساحة المعركة.
وفي حديث إلى مجلة «فورين بوليسي»، يشكّك جورج بيبي، مدير التحليل الروسي السابق في «وكالة المخابرات المركزية الأميركية» (سي آي إيه)، في أن يؤثّر الهجوم الأوكراني الأخير «على قدرة روسيا على مواصلة خوض الحرب في أوكرانيا بالشكل الحالي»، مشيراً إلى أنّ «حرب الاستنزاف تصبّ في صالح موسكو، ما يعني أنّ الأخيرة لا تبحث عن اختراقات مفاجئة، ولا عن نقاط ضعف في خطوط أوكرانيا بهدف اختراقها واستغلالها، أو وسائل لتطويق الأوكرانيين فجأة من خلال مناورات الحرب الخاطفة على غرار الحرب العالمية الثانية».
ويردف بيبي أنّ موسكو «تحاول، مع الوقت، تقويض قدرة أوكرانيا على نشر قوات مدرّبة ومجهّزة تجهيزاً جيداً في ساحة المعركة، وهي تحرز تقدّماً كبيراً في هذا الشأن». وطبقاً للمصدر نفسه، وإذ قد لا يظهر، على الخريطة، أن القوات الروسية «تسيطر على مساحات واسعة من الأراضي الأوكرانية بسرعة كبيرة، إلا أنّ المؤشرات حول التقدّم الذي تحرزه القوات الروسية في حرب الاستنزاف تكشف أنّ الأوكرانيين يعانون حقاً».
في المقابل، يهدف هذا النوع من الضربات «ذات الطابع الدرامي» في عمق الأراضي الروسية في مورمانسك وإيركوتسك، وهي أماكن بعيدة جداً عن ساحة المعركة الأوكرانية، إلى كسب «الاهتمام» الذي حصلت عليه كييف، بالفعل، من وسائل الإعلام الغربية، بحسب بيبي، الذي يعتقد بأن ذلك لا «يغيّر من الارتباط الأساسي بين القدرة الصناعية العسكرية لأوكرانيا، أي قدرتها على تدريب القوات ونشرها في ساحة المعركة، والتفوق المادي والبنيوي الكبير لدى روسيا في هذا الصدد»، وبالتالي فإنّ تلك «الضجة» لن تؤثّر على مسار الحرب.
وإذ لا ينكر المصدر نفسه أنّ الهجمات الأوكرانية قد تكون تسبّبت بـ«أضرار جسيمة» للأسلحة الروسية، إلا أنّه يردف أنّها لم تؤثّر، على الأغلب، إلى حدّ كبير على «الثالوث النووي الروسي».
على أنّ ما يبعث «على القلق»، بحسب المسؤول الأميركي، هو أنّه من جملة الأشياء التي شدّد عليها الروس عقب إجرائهم، أخيراً، «مراجعة» لعقيدتهم بشأن استخدام الأسلحة النووية، أنه «في حال حصول هجمات من قبل خصم على البنية التحتية المهمة للدولة أو الجيش من شأنها أن تعطّل الاستجابات الروسية، بما في ذلك من قبل القوات النووية الروسية، فإن هذا قد يكون بمثابة محفّز محتمل لاستخدام الأسلحة النووية»، فيما يراقب الجميع، حالياً، لمعرفة ما إذا كان الهجوم الأوكراني الأخير يستوفي تلك «المعايير».

