العراق مختبراً للتوتّر الإقليمي | المقاومة للأميركيين: مصالحكم ليست في مأمن
يجد العراق نفسه مجدّداً في قلب الإعصار، وسط صراع أميركي - إيراني يوشك أن يشتعل، وتهديدات داخلية ترفع منسوب الخطر الأمني والسياسي على حد سواء.


بغداد | فيما تعود رياح التوتر لتلفح الشرق الأوسط، يجد العراق نفسه مجدّداً في قلب الإعصار، واقعاً وسط صراع أميركي - إيراني يوشك أن يشتعل، وتهديدات داخلية ترفع منسوب الخطر الأمني والسياسي على حدّ سواء. وتزداد، على خلفية ذلك، التكهنات لدى الأوساط العراقية في شأن التطورات الجديدة في الإقليم وانعكاساتها على الساحة العراقية، والمرشّحة لسيناريوات كثيرة.
وبدأت الولايات المتحدة، خلال اليومين الماضيين، بإخلاء جزئي لعدد من موظفي سفاراتها في دول المنطقة، وفي مقدّمتها العراق، حيث غادر موظفون غير أساسيين مقارّ السفارة الأميركية في بغداد والقنصلية في أربيل، في خطوة وصفتها واشنطن بأنها «إجراء احترازي على خلفية ارتفاع مستوى التهديدات المرتبطة بالتوتر المتصاعد مع إيران». وسارعت الحكومة العراقية، عقب ذلك، إلى التقليل من أهمية الخطوة الأميركية؛ إذ نقلت مصادر حكومية أن «الإجراءات لا تخصّ العراق وحده»، وأن «الوضع الأمني الداخلي مستقر ولا يوجد ما يستدعي القلق»، فيما أكّدت السفارة الأميركية، في بيان، أن الإجراء جزء من «خطة وقائية في حال انزلاق الأوضاع إلى مواجهة عسكرية». كما أشارت إلى أن مغادرة موظفيها ليست «طوعية بل إلزامية بأمر رسمي».
وفي هذا الوقت، كان رئيس الحكومة، محمد شياع السوداني، يجدّد تأكيده أن العراق «يدعم أي مقاربة عادلة ومتوازنة تُفضي إلى نتائج إيجابية في المفاوضات الأميركية - الإيرانية»، محذّراً من أن «التصعيد لا يخدم الحل». كما أطلق عدد من المسؤولين العراقيين سيلاً من التصريحات لتقليص حجم المخاوف التي هبطت سريعاً على المواطنين.
ويقول مسؤول أمني رفيع المستوى، إن «الظاهر في الشارع هو استتباب الأمن والهدوء، لكنّ هناك استنفاراً كبيراً داخل الأجهزة الأمنية استعداداً لأي طارئ قد يحدث بفعل التصعيد»، مشيراً، في تصريح إلى «الأخبار»، إلى أن «معلومات وردتنا بوجود تهديدات عالية الخطورة». ويرجّح المسؤول أن «السفارة الأميركية أخلت عدداً كبيراً من موظفيها في غضون ساعات قليلة، ليس فقط من بغداد بل من أربيل أيضاً، بناءً على أوامر عليا من الإدارة الأميركية، فضلاً عن أنه تمّ توجيهنا بحماية جميع السفارات والبعثات الدبلوماسية وقوات التحالف الدولي».
لكنّ الموقف العراقي الحذر هذا لم يلقَ صدى لدى بعض الفصائل المسلّحة، إذ هدّد الأمين العام لكتائب «سيد الشهداء»، أبو آلاء الولائي، بإرسال «المئات من الاستشهاديين» لاستهداف المصالح الأميركية في حال شنّ حرب ضد طهران، مضيفاً، في منشور على منصة «إكس»، أن «أميركا لن تبقى لها باقية في الشرق الأوسط هذه المرة»، في ما يمثّل تهديداً علنياً يطرح تساؤلات حول مدى قدرة الحكومة على كبح نزعة التصعيد، وسط تسارع التطورات.
وجود القواعد الأميركية إلى جانب النفوذ الإيراني يجعلان من العراق نقطة اشتباك محتملة
من جانبه، أكّد قيادي في حركة «النجباء» أن «جنود المقاومة جاهزون لأي خطر قد يصيب العراق»، مبيّناً، في تصريح إلى «الأخبار»، أنه «في حال قصفت إسرائيل أو أميركا الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فحتماً ستكون المواجهة مباشرة وسنضرب كل المنشآت والمصالح الأميركية». ويضيف أن «الولايات المتحدة هي من تريد زعزعة الاستقرار في المنطقة وتحديداً في العراق، بحجج تتعلّق بإيران وغيرها، لكن ما هو معلوم لدينا أن أي ضربة ضد قواتنا سنرد عليها بالمثل وربما أقوى». وتابع أن «تنسيقية المقاومة تستعدّ لعقد اجتماعات لقادة بعض الفصائل، لمناقشة التطورات في حال ضرب الكيان الصهيوني إيران بعد تهديده لها، وأيضاً مناقشة التهديدات التي قد تتعرّض لها البلاد بسبب رعونة (الرئيس الأميركي، دونالد) ترامب، في المواجهات العسكرية».
على أن الخطر لا يقتصر على العراق، بل يتجاوزه إلى كامل الإقليم، مع تصاعد تهديدات إسرائيل باستهداف مواقع نووية إيرانية، والتي يقابلها تحذير إيراني مباشر من أن الرد قد يطاول القواعد الأميركية في العراق ودول الخليج. وفي ظل هذا المشهد، يبدو العراق مرة أخرى مرشّحاً لأن يكون الساحة الخلفية لأي صراع مقبل. ذلك أن وجود القواعد الأميركية، إلى جانب استمرار النفوذ الإيراني الواضح، يجعلان من البلاد نقطة اشتباك محتملة، سواء مباشرة أو بالوكالة، وفق ما يرى الخبير الأمني والضابط المتقاعد، علي عجام. ويقول عجام، لـ»الأخبار»، إن «انهيار المفاوضات الإيرانية - الأميركية، يعني انهيار المنطقة كلها أمنياً وحتى سياسياً واقتصادياً»، مضيفاً أن «المنطقة تقف على شفير صدام كبير، وقد لا تكون بغداد سوى أولى ساحاته».
وعلى الرغم من محاولات الحكومة العراقية الظهور بموقف الوسيط المتوازن، إلا أن سلسلة التصريحات والبيانات المتضاربة أظهرت حجم الارتباك السياسي إزاء خطوات واشنطن. فبين نفي وجود خطر، والتحذير من «التصعيد غير المجدي»، ظهرت السلطة في بغداد كمن يلهث وراء الأحداث، لا كمن يقودها أو يحتويها. ويعتبر الناشط السياسي، مخلد المرسومي، أن «مواقف الحكومة العراقية وتصريحاتها المتضاربة بشأن نفي التصعيد وعدم وجود خطورة، تعكس ضعفاً وعدم إلمام بما قد تشهده الساحة من تطورات». ويضيف، في حديث إلى «الأخبار»، أن «الحكومة تمسّكت بخيط أصبح واهناً، هو الحياد والوقوف على مسافة واحدة من الجميع، في وقت يتطلّب فيه المشهد وضوحاً وحزماً أكثر من أي وقت مضى».
