
على ضوء الحديث الأميركي عن «حالة تأهب قصوى» تحسباً لـ«ضربة إسرائيلية محتملة على إيران»، شملت إجلاء بعض موظفي الولايات المتحدة في العراق، وإعطاء البنتاغون «الضوء الأخضر» لأفراد عائلات العسكريين في جميع أنحاء الشرق الأوسط للمغادرة، جنباً إلى جنب حديث ديبلوماسيين أميركيين عن أن الوضع، في المرحلة الراهنة، «أخطر من أي وقت مضى»، يحذّر مراقبون، بشكل متزايد، من سوء تقدير عواقب أي صراع محتمل مع إيران، باعتبار أنه لن يكون بمنزلة «مغامرة سهلة»، كما يظن البعض.
وتعقيباً على التطورات الأخيرة في ما يتصل بمفاوضات «النووي الإيراني»، ترى مجلة «فورين بوليسي» الأميركية، في تقرير، أن هذه المفاوضات تبعث أملاً حذراً في كسر الجمود بشأن برنامج طهران النووي، ولكنها تنبّه إلى أن «رفض إيران التخلي عن تخصيب اليورانيوم ونقل مخزونها إلى الخارج وفقاً لما تطلبه الولايات المتحدة، قد يؤدي إلى انهيار المحادثات».
وفي حال تحقق السيناريو المشار إليه، ستلجأ واشنطن أو تل أبيب، طبقاً لعدد من المراقبين والتقارير الإخبارية المنسوبة إلى مصادر حكومية، إلى شن غارات جوية على البنية التحتية النووية الإيرانية، لأن منطق «إما أن تمتثل وإما أن تقصف» مغرٍ، وهو يرتكز على تصوّر بأن إيران «ضعيفة حالياً»، وبالتالي يمكن إجبارها على قبول مطالب «مبالغ فيها».
لكن المجلة تحذر من أنه ورغم «تراجع قوة إيران الإقليمية»، إلا أنها لا تزال قوة لا يمكن تهميشها، بحسب المصدر نفسه، الذي يتابع أن «حماس» أصبحت أضعف، وقُتل عدد من قادتها ولكنها لم تهزم، وما تزال تحتفظ بعدد من الأسرى؛ كما تلقى «حزب الله» ضربات موجعة، إلا أنه ما فتئ مسلحاً وقادراً على شن ضربات انتقامية في حال تعرضت إيران لهجوم. ويضاف إلى ذلك أن لطهران «علاقات قوية بالعراق» عبر «الحشد الشعبي»، جنباً إلى جنب «أنصار الله» في اليمن، في حين لم تترجم إسرائيل، حتى اللحظة، «نجاحاتها الميدانية إلى انتصارات إستراتيجية مستدامة».
لن يكون أي صراع مع إيران بمنزلة «مغامرة سهلة» كما يظن البعض
كذلك، حققت إيران، في المدة الماضية، مكاسب ديبلوماسية ملحوظة، طبقاً لـ«فورين بوليسي»؛ إذ طبّعت علاقاتها مع جميع دول الخليج، ودخلت في حالة انفراج مع السعودية، ما جعل تلك الدول تؤيد، اليوم، الحل السلمي للأزمة النووية. كما عززت طهران علاقاتها مع الصين وروسيا، ووقعت اتفاقية مدتها 25 عاماً مع الأولى وأخرى مدتها 20 عاماً مع الثانية، لتوسيع التعاون في مجالات من مثل الدفاع والاقتصاد، وهو ما ينبئ بأن موسكو وبكين قادرتان على «دعم مجهود إيران الحربي بطرق مختلفة، وإن لم تشاركا بشكل مباشر في الحرب».
وبحسب أصحاب الرأي المتقدم، فإن محور المقاومة ليس سوى «طبقة ثانوية من عقيدة الدفاع والردع الإيرانية»، فيما جوهر حماية الوطن والنظام، مدعّم بترسانة هائلة من الصواريخ والطائرات المسيرة، ومنصات الإطلاق المتنقلة والقواعد المحصنة وقاعدة عسكرية صناعية، وقوات مجربة قادرة على خوض الحروب التقليدية غير المتكافئة.
ويتساءل الكاتب: «ماذا لو ضربت إيران وبقايا محور المقاومة قواعد أميركية أو مدناً إسرائيلية أو مواقع طاقة في الخليج العربي؟ وماذا لو عطلت طهران مضيق هرمز، وبدعم من الحوثيين باب المندب في آن واحد؟»، محذراً من أن هذا التهديد وحده كفيل برفع أسعار النفط وزعزعة الأسواق العالمية وعرقلة الانتعاش الاقتصادي؛ فضلاً عن أن الصدام الأميركي - الإيراني الطويل الأمد يتعارض مع تعهد ترامب الانتخابي بتجنب المزيد من «الحروب التي لا تنتهي».
ويخلص التقرير إلى أنه فيما يعتقد الغرب أنه قادر على إكراه إيران عبر التصعيد العسكري، فإن كلّ ما قد يحققه هو خطأ إستراتيجي قد يندم عليه في النهاية، مؤكداً أن التوصل إلى اتفاق نووي «قائم على التنازلات المتبادلة، وعمليات التفتيش وتخفيف العقوبات يبقى، في النهاية، أقل المسارات خطورة». ذلك أن البديل منه حرب إقليمية كبرى لن يسلم من تداعياتها أيّ بلد من بلدان المنطقة، وهو ما أشارت إليه بالفعل «عدوى» الحافزية لدى مختلف الأطراف المعنيّة؛ إذ نقلت مجلة «نيوزويك» عن مصادر في «أنصار الله» قولها إن «الجماعة في حالة تأهب كبيرة»، و«في أعلى مستوى من الاستعداد لأي تصعيد أميركي محتمل ضدنا»، كما إن «أي تصعيد ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية هو أمر خطير أيضاً وسيجرّ المنطقة بأكملها إلى هاوية الحرب».
وطبقاً للمسؤول، فإن واشنطن «لا تمتلك حق مهاجمة دول مجتمعنا ومنطقتنا لخدمة كيان العدو الصهيوني الذي يعتبر التهديد الأمني الأساسي للمنطقة»، وإنه «من المؤكد أيضاً أنه ليس من مصلحة الشعب الأميركي الانخراط في حرب جديدة لخدمة الكيان الصهيوني».

