
مع مرور عدة ساعات على بدء العدوان الإسرائيلي على إيران، خرج رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، بخطاب مصوَّر كشف فيه أنّ الضربات التي نفّذها الكيان ضد الجمهورية الإسلامية كانت «مؤجّلة منذ أشهر»، مشيراً إلى أنّه أصدر تعليماته إلى الأجهزة الأمنية منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 بـ«تصفية البرنامج النووي الإيراني». وأوضح أنّ تنفيذ العملية كان مقرّراً في نهاية نيسان/ أبريل الماضي، إلا أنّ ظروفاً متعدّدة حالت دون ذلك، ليُعاد تحديد الموعد بناءً على توصية الجيش، وبالتشاور مع رئيس الأركان ووزير الأمن، مشدّداً على أن القرار «لم يكن عشوائياً ولا لدوافع هامشية».
وجدّد نتنياهو القول إنّه لو حصلت إيران على سلاح نووي، فـ«لن يكون هناك وجود لإسرائيل»، مضيفاً أنّ الخطر الإيراني يُعدّ «تهديداً وجودياً». واستعاد محاولاته السابقة بين عامي 2011 و2012 لتنفيذ هجوم على المشروع النووي الإيراني، والتي لم تُنفَّذ بسبب «فشل في حشد الأغلبية السياسية».
كما دعا الإسرائيليين إلى عدم الانجراف في «نشوة الانتصار»، بل التزام التعليمات الرسمية، محذّراً من ردّ إيراني مضاد، قائلاً: «إلى جانب الإنجازات، سيكون هناك ثمن». وفي تعداد لنتائج الضربات الإسرائيلية، أشار نتنياهو إلى نجاحها في استهداف «جزء كبير من هيئة الأركان الإيرانية»، و«جزء أساسي من علماء الذرة». كما أشاد بسلاح الجو الإسرائيلي، قائلاً إنّه «قام بعمل بطولي». وزعم أيضاً تدمير منشأة نطنز النووية، مؤكّداً أنّ لدى إسرائيل أهدافاً أخرى في إيران.
على أن رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، تساحي هنغبي، أقرّ، في مقابلة مع «القناة 12» العبرية، بأنّ «الهجمات وحدها لا تكفي لتدمير البرنامج النووي الإيراني»، مشيراً إلى أن الهدف الأساسي هو «إجبار الإيرانيين على وقف البرنامج». وأكّد أنّ المواجهة لا تزال في بدايتها، وأن إسرائيل تنتظر «أياماً صعبة»، متوقّعاً أن يسفر الرد الإيراني عن «إصابات بشرية». كما أشار إلى تنفيذ آلاف العمليات الإسرائيلية ضد إيران خلال العقدين الماضيين، مضيفاً أنّ «هذه ليست حملة عسكرية ليوم أو اثنين، وشعب إسرائيل يدرك الثمن».
وتحدّث هنغبي عن عدم وجود خطة لاغتيال المرشد الإيراني، آية الله علي الخامنئي، أو قيادات النظام، وفق ما نقلته «هيئة البث العبرية الرسمية» عنه، موضحاً أن الهدف من العملية «تقليص قدرة طهران على الإضرار بإسرائيل». وأضاف أنّ الأميركيين «اقتنعوا بأنه لا يمكن التوصل إلى اتفاق مع طهران من دون توجيه ضربة عسكرية».
وعلى الأرض، أعلن جيش الاحتلال، ضمن إطار عملية «الأسد الصاعد»، بدء تجنيد قوات احتياط من وحدات مختلفة استعداداً للمواجهة على مختلف الجبهات. وأفاد بأنّ «إسرائيل شنّت هجوماً واسعاً على إيران استهدف مواقع نووية ومقارَّ عسكرية، ما أسفر عن مقتل عدد من القادة العسكريين الإيرانيين، من بينهم رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية الجنرال محمد باقري، والقائد العام للحرس الثوري حسين سلامي، بالإضافة إلى علماء نوويين».
وفي المقابل، ردّت إيران، مساء أمس، على العدوان بإطلاق دفعات من الصواريخ في اتجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث دوّت صافرات الإنذار في مختلف أنحاء الكيان، بحسب تطبيق الهاتف المحمول التابع لقيادة الجبهة الداخلية للجيش. كما أعلن هذا الأخير أنّه رصد إطلاق عشرات الصواريخ من إيران نحو إسرائيل، مشيراً إلى أن «منظومة الدفاع الجوي تعمل على اعتراض التهديدات»، وداعياً الإسرائيليين إلى «الدخول إلى المناطق المحصّنة والبقاء فيها حتى إشعار آخر». وعقب ذلك، سُمعت انفجارات في منطقة تل أبيب، توازياً مع ورود أنباء عن سقوط صواريخ عدة، في حين أفادت وسائل إعلام عبرية بأن التقديرات تشير إلى إطلاق ما بين 100 و150 صاروخاً من إيران.
عقد نتنياهو جلسة طارئة في منطقة محصّنة تحت الأرض في القدس المحتلة، لبحث سبل الرد على الهجوم الصاروخي الإيراني الكبير
وأفادت «القناة 13» الإسرائيلية، بدورها، باندلاع حريق قرب مقر وزارة الدفاع في تل أبيب، بينما أشارت «يسرائيل هيوم» إلى أنّ صواريخ سقطت على سبع مناطق وسط إسرائيل. ولاحقاً، أقرّ قائد شرطة لواء تل أبيب بأنّ هذا «حدث كبير» شمل عدداً كبيراً من المواقع، لافتاً إلى أنّ قوات الإنقاذ تحاول الوصول إلى محتجزين داخل ملاجئ مغلقة. وأضاف أن «المنطقة تعرّضت لعدة أنواع من الصواريخ، وأن هناك مبانيَ انهارت وأخرى دُمّرت فيها طوابق كاملة». كما أعلنت «سلطة الإطفاء والإنقاذ» الإسرائيلية سقوط صواريخ في عدة مناطق، مشيرة إلى أنّ «طواقمها تعمل على البحث عن عالقين وإخماد الحرائق».
وأوضحت أنّ «فرقاً عدة من الإطفاء تعمل حالياً في منطقة غوش دان (تل أبيب الكبرى) للبحث عن محتجزين في مبنى سكني أصيب جراء الصواريخ»، فيما تعمل فرق أخرى في منطقة الشمال على «إخماد حرائق في مناطق مفتوحة، وتقوم طواقم في منطقة القدس بالبحث عن موقع سقوط صواريخ»، توازياً مع الإبلاغ عن سقوط صاروخ في المنطقة الجنوبية.
وذكرت «يسرائيل هيوم»، من جانبها، أنّ عدد المصابين جراء الصواريخ الإيرانية ارتفع إلى نحو 40، فيما تحدّثت وسائل إعلام إسرائيلية أخرى عن سقوط قتلى. ونقلت «القناة 13» عن مسؤولين قولهم إنّ عشرات المباني والمركبات أصيبت بصواريخ إيرانية أو صواريخ اعتراضية، متحدّثة عن «دمار غير مسبوق في منطقة تل أبيب الكبرى». وفي ظل تواتر مشاهد تلك الأضرار، دعا جيش الاحتلال الإسرائيلي المستوطنين إلى عدم توثيق أو نشر أماكن سقوط الصواريخ، قائلاً إنّ «العدو يتابع هذه المواقع». كما فُرضت «الرقابة العسكرية» على وسائل الإعلام العبرية، ومُنعت القنوات التلفزيونية من النقل المباشر من مواقع الضربات.
وعلى المستوى الرسمي، أعلن المتحدّث باسم جيش الاحتلال أنّه تمّ رصد نحو 100 صاروخ أُطلقت من إيران على دفعتين، متوقّعاً أن «تطلق طهران المزيد من الصواريخ في الساعات المقبلة». وأعقب كلامَ المتحدث موقف لوزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، قال فيه إنّ إيران «تجاوزت الخطوط الحمر عندما أطلقت صواريخ نحو تجمعات سكانية مدنية في إسرائيل»، مضيفاً أنّ «إسرائيل ستواصل الدفاع عن مواطنيها وستحرص على أن يدفع النظام الإيراني ثمناً باهظاً جداً على أفعاله». أيضاً، نقلت «القناة 12» العبرية عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن «الرد على القصف الإيراني سيشمل استهداف مناطق مدنية في إيران».
وفي هذا الوقت، أفاد موقع «أكسيوس» الأميركي، نقلاً عن مسؤولين في الجيش الأميركي، بأن «الولايات المتحدة ساعدت إسرائيل في اعتراض بعض الصواريخ الإيرانية»، فيما نقلت شبكة «فوكس نيوز» عن مسؤول أميركي قوله إنّ «هناك مئات آلاف الأميركيين وموارد أخرى في إسرائيل، وإنّ واشنطن تعمل على حمايتهم». وعلى المقلب الإسرائيلي، ذكرت إذاعة الجيش أنّ نتنياهو أجرى اليوم اتصالاً هاتفياً مع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لمتابعة التطورات.
وفي بيان لاحق على الرد الإيراني، قال نتنياهو إنّ هدف العملية هو «إزالة الخطر الإيراني»، مضيفاً أنّ على «شعب إيران تحقيق هدفه في نيل الحرية»، زاعماً أنّ «الحرب ليست ضد الشعب الإيراني، بل ضد النظام»، الذي وصفه بأنّه «في مرحلة ضعف غير مسبوقة». واعتبر أنّ «النظام الإيراني لا يعرف ما الذي أصابه وما الذي سيأتيه مستقبلاً»، داعياً الإيرانيين إلى «استغلال هذه الفرصة للوقوف ضده».
وفي خضمّ هذه التطورات، عقد نتنياهو جلسة طارئة للطاقم الوزاري المقلّص وكبار مسؤولي المؤسسة الأمنية، في منطقة محصّنة تحت الأرض في القدس المحتلة، لبحث سبل الرد على الهجوم الصاروخي الإيراني الكبير.

