
غزة | في الوقت الذي يغيب فيه الخبر الغزي عن نشرات الأخبار، يبذل جيش الاحتلال مجهوداً مدروساً في تقويض الكرامة الإنسانية في القطاع، وذلك عبر هندسة الفوضى وتحطيم الروابط والنظم القيمية؛ إذ يستخدم التجويع ثم إدخال المساعدات بطريقة فوضوية، كأداة لتحويل المجتمع الإنساني المتماسك، إلى غابة لا يربطها من رابط سوى غريزة الصراع المحموم على البقاء.
ويُلخّص المشهد اليومي في المناطق الغربية لشمال غزة، نموذجاً ممّا يراد تعميمه، إذ يتجمّع عشرات الآلاف من النازحين الذين يأتون من مسافات بعيدة مشياً على الأقدام، ويجلسون على قارعة الطريق، ويبيتون الليل في انتظار وصول شاحنات المساعدات، التي تعبر إلى حي التوام والكرامة من معبر «زكيم» أقصى شمال القطاع. وفور وصول الشاحنات، يندفع هؤلاء للظفر بكيسٍ من الطحين أو طرْد غذائي.
وهكذا، يُقتل العشرات من الجائعين يومياً، إمّا نتيجة التدافع والتزاحم بالنظر إلى أنّ الكمّية قليلة والمحتشدون كثر، أو دهساً تحت عجلات الشاحنات المسرعة، أو نتيجة قصف المدفعية لتجمعات النازحين، بدعوى الوصول إلى مناطق قريبة من تمركز جيش الاحتلال وتشكيل خطر على القوات البرية.
ووفقاً لمصادر في إحدى شركات النقل التي تعمل في مجال نقل المساعدات، فإنّ جيش العدو يحدّد للسائقين مسارات للسير، ويهدّد بقصف كل شاحنة تتجاوز الطريق المرسومة سلفاً.
ويقول سائق إحدى الشاحنات، في حديثه إلى «الأخبار»، إنه «يُطلب منّا أن نتوقف بالحمولة حتى نقطة قريبة من المناطق الحمراء التي يعسكر فيها جيش الاحتلال، ولا يُسمح لنا بسلوك طرق آمنة للوصول إلى مخازن منظّمة الغذاء العالمي، ولا يُسمح لنا بتأمين المساعدات عبر قوات التأمين التابعة لوزارة الداخلية، أو حتى شركات تأمين محلّية».
ويضيف: «يُطلب منّا أيضاً أن ننبّه الأهالي بوصولنا لتتمّ سرقة المساعدات بشكل عشوائي»، لافتاً إلى أنّ «جيبّات الأمم المتحدة التي ترافقنا، تطلب من المواطنين أن يسرقوا الشاحنات».
المشهد ذاته يتكرّر على نحو أكثر دموية في مراكز تسليم المساعدات الأميركية في مدنية رفح ومحور «نتساريم»، إذ يحتشد مئات الآلاف من المحتاجين يومياً، وتفتح البوابات الحديدية إلى ساحة فيها بضعة مئات من الطرود الغذائية، فيما يستقوي عناصر عصابة «أبو شباب» في سرقتها، ليعود الآلاف منهكين من حيث أتوا، ويُقتل العشرات يومياً قنصاً وقصفاً بدعوى اقترابهم من وجود جنود جيش العدو. وسجّلت وزارة الصحة، أمس، استشهاد 56 مواطناً، 38 منهم من منتظري المساعدات في منطقة التوام في مدنية بيت لاهيا.
وبهذا تحوّلت آلية التوزيع الجديدة إلى فخاخ يومية للموت. أمّا مجتمعياً، فيسعى العدو لتحقيق جملة من الأهداف، التي تمكّن من بلوغ بعضها بالفعل:
- تقويض الحضور المدني للحكومة التابعة لحركة «حماس»، ونزع ورقة تنظيم المساعدات التي تشكّل أهم دعائم المحافظة على استقرار الجبهة الداخلية من يد الحركة، ما يفتح مجالاً واسعاً للفوضى:
- تقويض عمل الأمم المتحدة بمؤسّساتها كافة.
- إنهاء الدور المحوري لـ«وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيّين» (أونروا).
- تعزيز الفوضى وضرب الأسس القيميّة للمجتمع عبر إشاعة ثقافة الاستقواء.
- إفساح المزيد من المجال لـ«مؤسسة غزة الإغاثية» وتعزيز دورها الذي يمهّد لتطبيع عسكرة المساعدات.
- صناعة المزيد من أقطاب التحكم التجاري في المجتمع، عبر منح بعض التجّار صلاحيات واسعة للتحكّم بالسوق، من طريق استفحال سياسة التعطيش ثم السماح بإدخال البضائع.
وفي مقابل ما سبق، سجّلت الأيام الأخيرة حضوراً متزايداً لوحدة «سهم» التابعة لوازرة الداخلية، إذ استغلّ عناصرها تراجع حضور الطائرات المسيّرة، ليسهموا في ضبط الحالة الأمنيّة عبر تنفيذ عشرات عمليات الاعتقال والملاحقة للعملاء ومثيري الشغب، في حين تراجعت حالات السرقة والبلطجة.

