ميل أفريقي إلى دعم إيران: لا انسياق أعمى خلف الغرب
تباينت ردود الفعل الأفريقية تجاه الحرب الإسرائيلية - الإيرانية، بما يعكس التعقيدات الجيوسياسية، ويُبرز أهمية البحر الأحمر كممر استراتيجي يشهد تنافساً متزايداً.


تنتاب أفريقيا، في ظلّ تصاعد الحرب الإسرائيلية - الإيرانية، موجات خوف وترقُّب لتداعياتها على مجمل الأوضاع في القارة، لا سيّما في دولها المطلّة على البحر الأحمر وسواحل الشرق الأفريقي. وتباينت الاستجابة «الأفريقية» تجاه الصراع القائم، وفق تباين شبكات علاقات دول القارة مع القوى الكبرى والمتوسطة الضالعة فيه.
بادر رئيس مفوضية «الاتحاد الأفريقي»، محمود علي يوسف، في اليوم الأول من العدوان على الجمهورية الإسلامية، إلى التعبير عن قلقه العميق إزاء «التقارير عن ضربة جوية إسرائيلية على إيران، وتصعيد العداءات في الشرق الأوسط»، داعياً إلى الوقف الفوري للعداءات، وممارسة جميع الأطراف أقصى درجات ضبط النفس، فيما اعتبر أنّ «التطوّرات الحالية تفرض تهديداً خطيراً على السِّلم والأمن الدوليَّين (بما يشمل أفريقيا)».
وجاء موقف الاتحاد معبّراً بوضوح عن نموّ توجّه عدد كبير من دوله نحو تبنّي «عدم الانحياز» - في ظلّ استقطاب عالمي متصاعد -، وبشكل أدقّ عدم الانسياق (المجانيّ ربّما) وراء المواقف الأميركية - الغربية، التي تظلّ الداعم الأكبر لإسرائيل في الحرب الجارية. كذلك، عبّر البيان عن مخاوف دول القارة من تداعيات خطيرة للغاية على الأوضاع فيها، من قبيل اضطراب حركة المرور في طرق التجارة العالمية المارّة عبر البحر الأحمر وشرق القارة، وارتفاع أسعار النفط والغاز، وتعميق عدم الاستقرار في بعض مناطق القارة، لا سيّما في القرن الأفريقي، وحدوث اضطراب خطير في سلاسل التوريد.
نيجيريا وجنوب أفريقيا: إدانة منطقية
عدّت الميديا الأفريقية، مصر، الدولة الأفريقية الأكثر تضرّراً من الحرب الحالية، مع توقّع أن تواجه القاهرة عواقب اقتصادية مباشرة، ما يضيف أعباءً جديدة على اقتصادها، لا سيّما في ظل قطْع إمدادات الغاز الإسرائيلية إليها بعد ساعات قليلة من بدء الهجمات. وكانت أعربت كل مِن جنوب أفريقيا ونيجيريا، اللّتين تمثّلان مع مصر أكبر ثلاثة اقتصادات أفريقية منذ أكثر من عقدين، عن إدانتهما للعدوان الصهيوني؛ إذ عبّرت وزارة العلاقات الدولية والتعاون (14 الجاري) الجنوب أفريقية عن عميق قلقها من هجمات إسرائيل على أهداف داخل إيران، بما فيها مناطق عسكرية ومرافق نووية وبنية تحتية مدنية.
وأشارت إلى أنّ الهجوم الإسرائيلي يثير مخاوف خطيرة من انتهاك القانون الدولي، بما في ذلك مبادئ السيادة وسلامة الأراضي وحماية المدنيّين وفق ميثاق الأمم المتحدة والقانون الإنساني الدولي.
وكشف البيان عن خطوة متقدّمة في موقف جنوب أفريقيا، حين أكّد عدم تحقّق هدف الدفاع عن النفس بمقتضى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة (بحسب ما تدّعي إسرائيل)، كما قدّمت خالص التعازي لحكومة إيران وأُسر الضحايا الذين سقطوا أثناء الهجمات الإسرائيلية. ومع تأكيد بريتوريا دعمها «للمناقشات الثنائية الجارية» بين الولايات المتحدة وإيران، فإنها شدّدت على الأهمية الفائقة لـ«إقامة منطقة منزوعة السلاح النووي في الشرق الوسط»، تشمل إسرائيل.
من جهتها أيضاً، دانت نيجيريا ضربات إسرائيل «الاستباقية» على إيران، ولفت بيان لخارجيّتها (14 الجاري) إلى أنّ «دائرة الانتقام المستمرّة لن تعرّض فحسب حياة المدنيين للخطر، لكنها تهدّد بجرّ الشرق الأوسط كلّه إلى مزيد من عدم الاستقرار، إضافة إلى عواقب وخيمة على السِّلم والاستقرار الاقتصادي الدوليَّين، الأمر الذي ستكون له عواقب على الأمن الدولي والتنمية الاقتصادية».
ويبدو أنّ جنوب أفريقيا تستشعر خطورة الحرب الجارية وتداعياتها التي ستكون شديدة الوطأة عليها، لا سيّما مع الارتفاع الملحوظ في أسعار النفط. أمّا في نيجيريا، حيث ارتفع سعر برميل النفط إلى 78 دولاراً متجاوزاً هدف الموازنة الفدرالية (75 دولاراً)، فقد عبّر دبلوماسيون، من بينهم سفير نيجيريا السابق في أديس أبابا، بولس لولو، عن أنه ليس في مصلحة أحد، ولا حتى بلاده، استمرار هذا الصراع.
تبرز إثيوبيا في قائمة الدول الأفريقية التي لم تعلن موقفاً واضحاً من الحرب، مع ملاحظة تمتّعها بعلاقات إستراتيجية راسخة بإسرائيل، زادت وثاقتها بعد تولّي رئيس الوزراء الحالي، آبي احمد، قيادة بلاده عام 2018. كما لا تفوت ملاحظة أنّ أديس أبابا وقّعت (6 أيار الماضي) مذكّرة تفاهم مع طهران للتعاون الأمني والاستخباري بين الجانبَين، اعتبرتها إيران في حينه خطوة مهمّة نحو تقوية علاقاتها بقوة إقليمية مهمّة في القارة الأفريقية، ووسيلة لتعزيز حضورها في الأخيرة.
وعُدّ الاتفاق مهمّاً لأديس أبابا، خصوصاً في سياق تعزيز قدرات حكومتها العسكرية (لا سيّما في الحصول على مسيّرات إيرانية) لمواجهة التوتّر المتصاعد في العديد من الأقاليم الإثيوبية، وكذلك - بحسب مراقبين إثيوبيين - لإظهار إثيوبيا في مظهر القوّة الإقليمية القادرة على تنويع شبكة شركائها. ولا يتناقض الموقف الإثيوبي مع ترقّب أديس أبابا تحقيق تطلّعاتها في الوصول إلى البحر الأحمر، التي واجهت ضربة قوية بإعلان جيبوتي (15 الجاري) رفضها منح الأولى حقوقاً في إدارة أحد الموانئ فيها وتشغيله.
أمّا غانا، التي تمتلك علاقات متميّزة للغاية مع إسرائيل، فقد عبّر اقتصاديون فيها عن تخوّف عميق من الآثار السلبية للحرب الراهنة على الاقتصاد المحلّي، في ظل الارتفاع الأوّلي في أسعار النفط بنسبة 7% في اليوم الأول من الحرب، وما يعنيه ذلك من فشل مرتقب في خطط أكرا لإصلاح قطاع الطاقة، وتراجع التقدّم الذي أنجزته البلاد في خفض التضخم على خلفية تراجع مستمر في أسعار النفط قبل 13 الجاري.
لكنّ موقف أكرا المتحفّظ عن إدانة أيّ من طرفَي الحرب، أثار سخطاً إسرائيليّاً عبّر عنه سفير الكيان لدى غانا وسيراليون وليبيريا، روي جيلاد، منتقداً امتناع أكرا عن التصويت في فيينا حول التزام إيران بمعايير «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، في 12 الجاري، أي قبل يوم من بدء العدوان. ووسط هذا الموقف الصعب الذي تجد فيه غانا نفسها، بادرت الخارجية الغانية (16 الجاري) إلى إعلان غلق السفارة الغانية في طهران، والإخلاء الفوري لطاقمها «من أجل حمايته»، في ما قد يبدو انتقالاً من التحفّظ إلى ترضية رمزية لإسرائيل.
عي أيّ حال، فإنّ التداعيات السلبية للحرب الراهنة بدأت في الوصول إلى دول القارة الأفريقية بدرجات متفاوتة، فيما يظلّ اختبار استقلالية قرار دول القارة من عدمه على محكّ جديد، بين «دولة» تنتهك مؤسساتيّاً كافة معايير القانون الدولي والعلاقات الدولية تحت مرأى الغرب ومسمعه وتهدّد دول القارة بمشروعات هيمنة مباشرة أو عبر وكلاء إقليميين، ودولة متوسطة القوّة تُحسب على قوى الجنوب العالمي وتطمح إلى عالم أكثر توازناً.
