
لندن | في خضمّ تبادل تصعيدي في الهجمات بين إسرائيل وإيران، يقف الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بصفته الفاعل الرئيس في حسم مستقبل الصراع، أمام مفترق طرق حاسم، بين التورّط في العدوان الإسرائيلي - وهو ما لا تحبّذه قاعدته الناخبة -، وبين ترك الباب مفتوحاً أمام الوصول إلى تسوية توقف الحرب التي دخلت أسبوعها الثاني.
وقد برزت في هذا السياق المتأزّم، سلسلة مواقف وجهود يبذلها الثلاثي الأوروبي (فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة) بحثاً عن مخرج يعيد طهران إلى طاولة المفاوضات، ويُشعِر إسرائيل بأنها حقّقت غايتها المعلَنة من منع امتلاك الجمهورية الإسلامية السلاح النووي؛ علماً أنّ هذه الترويكا نفسها هيّأت الأرضية للعدوان عبر دورها في استصدار قرار من «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» يتّهم إيران بعدم الالتزام بمتطلبات «معاهدة منع الانتشار النووي»، وانحازت، بعد شنّ أُولى الهجمات الغادرة صبيحة يوم الجمعة الماضي، بجلاء إلى صف الكيان العبري، مبرّرة له جرائمه تحت لافتة «حقّ إسرائيل في الدفاع عن النفس».
يؤدّي المستشار الألماني، فريدريك ميرتس، دور صقر الترويكا
على أنّ الواقع يشير إلى أنّ الدول الثلاث لم تدعم أبداً فكرة تغيير النظام الإيراني من الخارج، وهي كرّرت، في غير مناسبة، ضرورة خفض التصعيد، وإعادة إطلاق المفاوضات كمخرج للأزمة التي يمكن أن تتفاقم إلى نزاع إقليمي قد تتورّط فيه الولايات المتحدة مباشرةً.
من هنا، تفتح خطوة عقد اجتماع بين وزراء خارجية الترويكا، ونظيرهم الإيراني، عباس عراقجي، في جنيف اليوم، كوّة أمل لحلّ دبلوماسي يسمح بنزع فتيل الأزمة، ويقدّم لطرفَي النزاع ما يرضي هواجسهما بما يكفي للنزول عن الشجرة. ووفقاً لمصدر في بروكسل، فإنّ الوزراء سيجتمعون أولاً مع كبيرة دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي، كاجا كالاس، في البعثة الدائمة لألمانيا في جنيف قبل أن يلتقوا عراقجي.
وهذا الاجتماع الذي سيكون الأول من نوعه منذ الهجوم الإسرائيلي على المواقع العسكرية والنووية الإيرانية، يعبّر ربّما عن موقف أوروبي متمايز عن الإدارة الأميركية بضرورة الحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة مع طهران لمنع توسّع نطاق الحرب نحو دول أخرى في الإقليم لها مصالح عميقة مع الغرب، فضلاً عن القلق العميق من ارتفاع احتمالات حدوث كوارث إشعاعية نتيجة استهداف مفاعلات إيران النووية، وكذلك ارتدادات محتملة قد تمسّ إمدادات النفط والغاز العالمية.
وكان عراقجي تحدّث إلى وزراء الخارجية الأوروبيين الثلاثة عبر الهاتف في وقت سابق من هذا الأسبوع، لكنه لا يزال يرفض، إلى الآن، مقابلة المبعوث الخاص للرئيس الأميركي، ستيف ويتكوف، بينما يتعرّض الإيرانيون لهجوم متلاحق من إسرائيل. ولذلك، فإنّ استعداده للقاء نظرائه الأوروبيين يشير إلى ثقة معيّنة في حيادهم النسبي، ورغبة مستمرة لدى طهران في التوصّل إلى حلّ تفاوضي، وإنْ كان مراقبون يقولون إنّ الترويكا لم تكن لتندفع في هذا الاتجاه من دون ضوء أميركي أخضر صريح.
وسيتركّز جوهر المحادثات الأوروبية - الإيرانية في جنيف على استكشاف مدى استعداد إيران لتقبّل تقزيم أو إنهاء برنامجها النووي كليّاً. ووفقاً لمصدر دبلوماسي ألماني، فإنّ الأوروبيين سيعملون على إقناع الجانب الإيراني بقبول صيغة ما مسنودة بضمانات قوية تسمح ببقاء الجزء المتعلّق بالأغراض المدنية البحتة فحسب، الأمر الذي يراه الأوروبيون متوافقاً مع تأكيد إيران المستمر بأنها «لم تسع ولن تسعى أبداً إلى امتلاك أسلحة نووية».
ومن المخطّط، في حال انعقاد الاجتماع الذي تقاطعت عدّة مصادر على أنّ التنسيق في شأنه يتم بمعرفة الولايات المتحدة، فستتبعه حوارات منتظمة على مستوى الخبراء لبناء نهج مفصّل يهدف إلى بناء الثقة بما يكفي للتوصّل إلى اتفاق مستدام.
وفي هذا الفضاء، دعا وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، قادة إيران إلى العمل على حلّ يتضمّن ضمانات لبرنامجهم النووي، قائلاً: «لم يفت الأوان بعد للمجيء إلى طاولة المفاوضات». من جانبه، أكّد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الحاجة الملحّة إلى وقف العمليات العسكرية، داعياً إلى «حلّ تفاوضي دقيق يضع حدّاً للصراع»، مع الإشارة إلى رفض فرنسا مبدأ تغيير الأنظمة من الخارج.
وكلّف ماكرون، وزير خارجيته، جان نويل بارو، باقتراح مبادرة أوروبية مشتركة في اتجاه تسوية تفاوضية، رغم تباين مواقف برلين ولندن وباريس التفصيليّة.
وظلّ بارو على اتصال منتظم مع نظيرَيه الألماني والبريطاني منذ أن شنّت إسرائيل حملتها الجوية الضخمة على إيران، الأسبوع الماضي.
ومع ذلك، فإنّ الجهود الدبلوماسية تواجه تحدّيات جمّة؛ فمن ناحية، لا تزال إيران تحت ضغط عسكري كبير وتواجه دعوات من ترامب إلى الاستسلام الكلّي غير المشروط، ما قد يجعلها أقلّ استعداداً لتقديم تنازلات كبيرة على طاولة المفاوضات.
كما أنّ الغارات الإسرائيلية المستمرة، التي تضرب أهدافاً غير مرتبطة بالبرنامج النووي وتؤدّي إلى سقوط ضحايا مدنيين، تزيد من تصلُّب الموقف الإيراني، وتصعّب من أيّ محاولات لخفض التصعيد.
ومن ناحية أخرى، فإنّ موقف ترامب الغامض والتهديدي والمتقلّب بين ساعة وأخرى، يمكن أن يبعث برسائل مختلطة إلى طهران، ما يجعلها تشكّك في مدى التزام واشنطن بالحلّ الدبلوماسي الذي قد يطرحه الأوروبيون في جنيف.
علاوة على ذلك، فإنّ الموقف الأوروبي ليس موحّداً تماماً. فبينما يدعو ماكرون ووزير خارجيته إلى حلّ تفاوضي، وتقف بريطانيا في مربّع غموض الدعوة إلى ضرورة التهدئة ومنع تدحرج الأمور من دون اقتراح خطوات عملية، يؤدّي المستشار الألماني، فريدريك ميرتس، دور صقر الترويكا، خصوصاً بعد إشارته إلى أنّ «تغيير الأنظمة يمكن أن يحدث»، وأنّ إسرائيل «تقوم (بهجومها على إيران) بالعمل القذر نيابة عن الآخرين جميعهم»، ما يعكس تبايناً في التقييم والرؤية، لكنّ إجماعهم على منح الدبلوماسية فرصة يظلّ قويّاً.

