
غزة | عوّض جيش الاحتلال، بأثر رجعي، الهدوء النسبي الذي رافق الأيام الأولى من الحرب على إيران، لا سيّما لجهة استهداف خيام النازحين والمنازل المأهولة. وسجّل أمس أكثر الأيام الماضية دموية؛ إذ تحوّلت ساحتا مستشفيَي «الشفاء» و«المعمداني» إلى مسلخ بشري اصطفت فيه العشرات من جثامين الشهداء، التي لم يتوقّف وصولها بالعربات التي تجرّها الدواب والسيارات المدنية.
هكذا، تشكّلت أكوام من الأشلاء والجثامين المشوّهة، التي وصلت تباعاً من مدينة جباليا البلد، إذ ارتُكبت عشرات المجازر الجماعية، وكان أبرزها استهداف مربّع سكني مكوّن من ثلاثة منازل لعائلتي عسلية ودردونة. ووفقاً لمصادر أهلية، فإنّ المنازل الثلاثة دُمرت بشكل كلّي، وأطبقت أسقف على نحو 100 مواطن كانوا في داخلها، فيما لم تتمكّن طواقم الإسعاف والطوارئ من انتشال إلا 14 شهيداً.
وفي الحي نفسه، هدّد جيش العدو بإخلاء العشرات من المنازل في شارع غزة القديم؛ ووفقاً للمواطن خليل خضر، فقد اتصل ضابط مخابرات إسرائيلي به وطلب منه أن يمشي في شارع الحي الذي يسكنه، وينادي بأعلى صوته كل السكان لإخلاء منازلهم تمهيداً لقصفها.
وتشهد منطقة جباليا البلد والمناطق الشرقية من حي التفاح شرقي مدينة غزة، منذ بدء حملة «مركبات جدعون»، عمليات نسف وهدمٍ يومية وممنهجة. ووفقاً لشهود عيان، فإنّ الآلاف من منازل المواطنين في حي التفاح الشرقي وحي الجرن في جباليا البلد تمّت تسويتها بالأرض. إذ يوظّف جيش العدو، إلى جانب الروبوتات المفخّخة، شركات مقاولات مدنية إسرائيلية تستخدم بواجر وآليات ضخمة تقوم بمهمة واحدة، هي الهدم وتخريب البنية التحتية، في استنساخ لنموذج رفح ومخيم جباليا.
تشهد منطقة جباليا البلد والمناطق الشرقية من حي التفاح شرقي مدينة غزة، عمليات نسف وهدمٍ يومية وممنهجة
وفي مخيم الشاطئ المكتظ بمئات الآلاف من النازحين، ارتكب جيش الاحتلال مجزرة جماعية باستهداف سوق شعبي، ما تسبّب باستشهاد 16 مواطناً وإصابة العشرات. وخلال ساعات النهار، قصفت الطائرات المسيّرة عشرات من الأهداف في مدينتَي غزة شمالاً وخانيونس جنوبي القطاع، معظمها خيام تؤوي نازحين، ما تسبّب باستشهاد العشرات من المواطنين.
وفي حي الزيتون، قصفت الطائرات الحربية منزلاً مأهولاً، ما أدّى إلى استشهاد خمسة مواطنين؛ كما طاول القصف مركبة مدنية تقل ثلاثة مواطنين سرعان ما قضوا نحبهم.
كذلك، قتلت مدفعية الاحتلال ستة مواطنين كانوا ينتظرون المساعدات في مدينة خانيونس جنوبي القطاع؛ وفي حي الكرامة شمال غرب مدينة غزة، أغارت الطائرات الحربية على منزل مأهول لعائلة الزبدة، متسبّبةً باستشهاد عائلة بأكملها لم تستطع الطواقم الطبّية انتشال أفرادها من تحت الأنقاض. ووفقاً لمصادر طبّية، فقد تجاوز عدد الشهداء الذين وصلوا إلى المستشفيات أمس، حاجز الـ100، فيما يصل مجموع الشهداء الذين لا يزالون تحت الأنقاض إلى 80، في ما يمثّل أعلى حصيلة يتمّ تسجيلها منذ بدأت الحرب على إيران.
وعلى الصعيد المعيشي، يواصل جيش الاحتلال، للشهر الثالث على التوالي، تقويض عمل المؤسسات الدولية المتخصّصة في توزيع المساعدات، ويحصر آلية الحصول على الطعام في الوصول إلى مراكز توزيع المساعدات الأميركية، أو الاحتشاد في مسار الشاحنات التي تنقل المساعدات في منطقتَي «نتساريم» وسط القطاع و«زيكيم» في شمال القطاع، وذلك رغم أنّ تلك الطريقة العشوائية تتسبّب يومياً باستشهاد وإصابة العشرات من الشبان.
أمّا في مراكز التوزيع الأميركية، فيبدو المشهد أكثر سودواية وسوءاً؛ وبحسب شهادة المواطن المعتز بالله الكفارنة، فإنّ جيش الاحتلال يتحيّن أي فرصة وأي ذريعة لإطلاق النار والقذائف على المواطنين المحتشدين، خصوصاً إذا ما تأخّروا عن موعد التسليم لدقائق أو حضروا في وقت أبكر ببضع دقائق. ويقول الكفارنة: «بدأ جنود الاحتلال بشتْمنا والطلب منّا التراجع، وعند دخولنا إلى مقرّ التسليم، بادر الجنود الأمريكيون بإطلاق غاز الفلفل».
وأدّى هذا الاضطراب المستمر في طرق التوزيع، إلى نشوء عصابات منظّمة من التجار، تحتكر السلع التي تتسبّب ندرتها في ارتفاع أسعارها إلى مستويات قياسية، إذ وصل سعر كيلو الطحين الواحد إلى 20 دولاراً، وسعر كيلو السكر إلى 90، وكيلو الأرز إلى 20. كذلك، دخلت مناطق قطاع غزة كافة في أزمة مياه خانقة، إذ تسبّب الشحّ الحادّ في الوقود في توقّف عمل الآبار الرئيسة التي تغذّي أنحاء واسعة في مدينة غزة وخانيونس.
كما طرقت مستشفيات القطاع ناقوس الخطر، في ظل منع جيش العدو دخول الإمدادات الطبّية إليها منذ ثلاثة أشهر، وتسبّب خروج العاملة منها في محافظة الشمال عن الخدمة في تركيز الضغط على مستشفيّي «الشفاء» و«المعمداني»، علماً أنّ كليهما يعملان بشكل جزئي بعد تدمير أهم الأقسام الحيوية فيهما.

