
تقريرٌ للوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة، كان كفيلاً باندلاع حرب «طاحنة» بين إيران وإسرائيل، بدأتها الأخيرة بقصف للعاصمة الإيرانية طهران، بذريعة عدم التزامها بتعهداتها النووية، وترجيحات بإمكانية امتلاك أسلحة في هذا الإطار، قد تشكل خطراً على أمن إسرائيل ومصالحها في المنطقة.
هذا التقرير الذي قدمته الوكالة بإشراف مديرها العام رافايل غروسي، منح إسرائيل فرصة «على طبق من ذهب» لقصف الأراضي الإيرانية وفتح حرب معها، في وقتٍ يجب أن تكون فيه الوكالة أكثر «مصداقية» و«حياد» في عملها، لوأد أي شرارة حرب، قد تغير وجه المنطقة بالكامل.
التقرير الذي أشعل الحرب الإسرائيلية - الإيرانية
في مطلع حزيران الجاري، كشفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تقرير «سري»، أن طهران سرّعت وتيرة إنتاج اليورانيوم العالي التخصيب، بنسبة 60% القريبة من مستوى 90% المطلوب للاستخدام العسكري.
كما أوضحت الوكالة أن المخزون بلغ 408.6 كلغ في 17 أيار بزيادة 133.8 كلغ خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة مقارنة بزيادة مقدارها 92 كلغ خلال المدة السابقة.
ورأت أن «هذه الزيادة الكبيرة في إنتاج إيران، الدولة الوحيدة غير النووية التي تنتج مثل هذه المادة النووية، وتخزينها اليورانيوم العالي التخصيب، تثير مخاوف كبرى».
كذلك أشارت إلى أن كمية اليورانيوم المخصب الإجمالية باتت تتجاوز 45 مرة الحد المسموح به بموجب الاتفاق المبرم في عام 2015 بين إيران والقوى الكبرى، وتبلغ 9247.6 كلغ.
وفي تعليق غروسي على التقرير، قال إنّ الوكالة تحققت من الأرقام بشكل جيد، واصفاً إياه بـ«المحايد»، وهذا ما أكدت إيران عدم صحته، مشيرةً إلى أنّ كل نشاطات منشآتها تحت مراقبة وكالة الطاقة الذرية، وكل عمليات الإنتاج التي تجري داخلها لا تتجاوز الحدود المتفق عليها دولياً.
-
المدير العام لوكالة الطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة رافايل غروسي (أ ف ب)
كيف ردت إيران؟
اتهمت إيران، غروسي بـ«التواطؤ والتستر على الحقيقة» عبر تقرير وصفته بـ«المنحاز»، بحسب وزارة الخارجية.
وقال المتحدث باسم الوزارة، إسماعيل بقائي، إنّ «التقرير استند إلى مزاعم لا أساس لها قدمتها كل من الولايات المتحدة ودول الترويكا الأوروبية (فرنسا، ألمانيا، إيطاليا)، ونتج منه قرار اعتبرته إيران غير مناسب».
وأضاف بقائي أنّه «تم استخدام ذلك القرار كذريعة أخيرة من قِبل النظام المحرض على الحرب ومرتكب الإبادة الجماعية (في إشارة إلى إسرائيل)، لشن هجمات غير قانونية ضد منشآت إيران النووية السلمية».
وأشار إلى أن هذه الهجمات أسفرت عن مقتل مدنيين أبرياء، محمّلاً الوكالة الدولية للطاقة الذرية مسؤولية ما وصفه بـ«العواقب المؤلمة للرواية المضللة» التي تضمّنها تقريرها.
بدوره، وجه رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، محمد إسلامي، رسالة إلى غروسي، قال فيها إنّ «الهجمات العسكرية على المنشآت النووية تعد انتهاكاً لاتفاقيات جنيف والبروتوكولات ذات الصلة، والنظام الأساسي للوكالة، ومعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، واتفاق الضمانات الشاملة بين إيران والوكالة، وقرارات مجلس المحافظين والمؤتمر العام للوكالة، ومعايير السلامة الخاصة بالوكالة».
-
أضرار منشأة «آراك» الإيرانية من جراء القصف الإسرائيلي (أ ف ب)
وأضاف أنه «من الضروري وضع حد فوري لهذا التقاعس، وإدانة هذه التصرفات المخالفة للأنظمة الدولية من قبل الكيان الصهيوني، والالتزام بالواجبات المنصوص عليها في النظام الأساسي للوكالة»، حسب ما جاء في الرسالة.
تراجع غروسي وتبرئة طهران
بعد اندلاع الحرب بين إسرائيل وإيران على خلفية تقرير غروسي، ومع تعاظم الإثباتات التي تُبطل صحة مزاعمه، بدأ المدير العام للوكالة بتبديل نبرته خلال التصريحات الصحفية.
وألمح إلى أنّ إيران «لم يكن لديها سلاح نووي عند إعلان التقرير»، ولكنها تملك العناصر التي تمكّنها من امتلاكه مستقبلاً.
وفي مقابلة مع صحيفة «La Nacion» الأرجنتينية، حذّر غروسي من تكرار سيناريو العراق في إيران، قائلاً إنّه «يجب عدم الانزلاق إلى تقديرات زمنية غير دقيقة بشأن المدة التي قد تحتاجها إيران لتطوير سلاح نووي».
C'EST DIT. « Nous n’avons pas trouvé en Iran d’éléments indiquant qu’il existe un plan actif systématique visant à fabriquer une arme nucléaire. »
— Armin Arefi (@arminarefi) June 20, 2025
Rafael Grossi, directeur de l'Agence internationale de l'énergie atomique (AIEA) @AJEnglish, 19 juin 2025. pic.twitter.com/VmmdfGiKmb
تصريحات غروسي أعادت إلى الأذهان تجربة العراق عام 2003، حين روجت كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة لمزاعم بأن نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل، ما شكّل ذريعة لغزو البلاد.
وزعم حينها رئيس الوزراء البريطاني، توني بلير، أن العراق يمتلك «خططاً عسكرية جاهزة» لاستخدام أسلحة كيماوية وبيولوجية يمكن تفعيلها خلال 45 دقيقة، وأنه يسعى إلى الحصول على أسلحة نووية. ولاحقاً، تبين أن جميع هذه المزاعم كانت خطأ أو مفبركة، وفقاً لتقارير رسمية وتحقيقات مستقلة، أبرزها تحقيق «هوتون» ولجنة «تشيلكوت».
ومن بين الوثائق المزيفة التي استند إليها، كانت رسالة مزعومة من وزير خارجية نيجيريا تتحدث عن صفقة يورانيوم مع العراق، رغم أن الوزير المذكور كان قد غادر منصبه قبل 11 عاماً من تاريخ الوثيقة.
-
آثار الدمار بعد قصف مفاعل «أوزيراك» في العراق عام 1981 (من الويب)
وبحسب تقارير لاحقة، لم تجد مجموعة مسح العراق (ISG)، وهي فريق تحقيق تقني أرسلته واشنطن ولندن بعد الغزو، أيّ دليل على وجود برنامج نشِط لأسلحة الدمار الشامل، رغم تأكيدات إدارة بوش وحكومة بلير آنذاك.
وعلّقت وزارة الخارجية الإيرانية على تصريحات غروسي «الجديدة» التي أقر خلالها بأن إيران «لا تمتلك سلاحاً نووياً»، بالقول إنّ «اعتراف غروسي الأخير بعدم وجود أسلحة إستراتيجية لدى إيران جاء متأخراً جداً»، مشيراً إلى أنّ التقرير الذي أخفاه غروسي واعترف به لاحقاً كان السبب المباشر في قرار مجلس المحافظين المعادي لإيران، والذي بدوره استُخدم كـ«ذريعة للعدوان الإسرائيلي على المنشآت النووية والمدنيين الإيرانيين».
فضيحة الوثائق: غروسي يعمل لمصلحة إسرائيل
لم تتأخر الأدلة على تورط غروسي سياسياً مع إسرائيل، وتطويع منصبه لتلبية رغباتها في المنطقة، وهذا ما أثبتته الدفعة الأولى من الوثائق السرية التي حصلت وزارة الأمن الإيرانية، في إطار عملية استخبارية وُصفت بالدقيقة في الأراضي المحتلة.
وأظهرت الوثائق أن غروسي لم يكتفِ بالتنسيق مع ممثلي «إسرائيل» داخل الوكالة، بل تبنّى إملاءاتهم، وحرص على توجيه تقارير الوكالة الدولية بما يخدم أهداف إسرائيل، مع تجاهل الأنشطة النووية غير السلمية وغير المُعلنة التي تقوم بها الأخيرة، وذلك بحسب وسائل إعلام إيرانية.
وتتضمن الوثائق المسربة معطيات مفصلة عن ميراف زافاري-أوديز، التي شغلت منصب المندوبة الرسمية لـ«إسرائيل» لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) في المدة الممتدة بين عامي 2014 و2016، حيث كانت تُعبّر علناً عن مواقف إسرائيل خلال الاجتماعات الرسمية للوكالة ومجلس محافظيها.
وفي تلك المرحلة، ولا سيما خلال تنفيذ الاتفاق النووي (JCPOA)، عبّرت زافاري-أوديز مراراً عن انتقاداتها لتعاون إيران مع الوكالة، ووصفته بـ «البطيء وغير الكافي»، فيما وجّهت اتهامات إلى الإدارة السابقة للوكالة، بقيادة يوكيا أمانو، بتقديم «معلومات خطأ» عن البرنامج النووي الإيراني.
EXPOSED: Leaked documents show clear cooperation & close coordination between Rafael Grossi, the Secretary General of the International Atomic Energy Agency (IAEA), & Israel; with the Zionist regime fully implementing their directives against Iran's nuclear program for years. pic.twitter.com/IzZ2W94ui4
— Fiorella Isabel (@FiorellaIsabelM) June 12, 2025
وبحسب ما ورد في الوثائق، فإن رسائل بريد إلكتروني مسرّبة كشفت عن مهمة خاصة كانت تضطلع بها زافاري-أوديز، تمثّلت في التنسيق المباشر مع غروسي، بهدف توجيه التأثير على موقف الوكالة وتحويل التركيز الدولي بعيداً من الأنشطة النووية غير السلمية وغير المعلنة التي يقوم بها الاحتلال الإسرائيلي نحو البرنامج النووي الإيراني السلمي.
وتشير الرسائل الإلكترونية المسرّبة، بحسب الوثائق، إلى أن زافاري-أوديز كانت مكلّفة بمهمة محددة تمثّلت في إبعاد الرأي العام العالمي عن البرنامج النووي الإسرائيلي غير المُراقب، في المقابل التشويش على البرنامج النووي الإيراني السلمي.
تحركاته ضد أنشطة إيران السلمية
بحسب ما نشرته وسائل الإعلام الإيرانية، فإن لحظة تعيين غروسي مديراً عاماً للوكالة الدولية مثّلت «نقطة تحوّل خطيرة».
حيث بدأ غروسي تعاونه مع الكيان منذ عام 2016 وقام بتنسيق التقارير ضد الأنشطة النووية السلمية لإيران. وتُظهر إحدى الوثائق التنسيق بين الكيان وغروسي لإثارة الأجواء ضد إيران بعد 5 أشهر فقط من إبرام الاتفاق النووي.
وكشفت الوثائق عن طلب تقدّمت به زافاري-أوديز لعقد اجتماع فوري مع غروسي في 10 أيار 2016، لمناقشة «مستجدات» لم تحدد طبيعتها.
وبالتزامن، ورد في إيميلات لاحقة – لم تُترجم بعد من اللغة العبرية إلى الفارسية – أن هناك مراسلات جرت بينها وبين شخص يُدعى إلاي ريتّيغ، في سياق التنسيق حول إستراتيجية إعلامية وسياسية لمواجهة إيران داخل أروقة الوكالة الدولية.
وأكدت وزارة الأمن الإيرانية، بحسب الوثائق المنشورة، أن هذا التعاون الممنهج بين غروسي وإسرائيل يأتي في إطار إستراتيجية أوسع تهدف إلى تقويض أي اعتراف دولي بالطبيعة السلمية للبرنامج النووي الإيراني، وتحويل الوكالة إلى أداة سياسية منحازة.
-
منشأة «نطنز» النووية الإيرانية بحسب الأقمار الصناعية (أ ف ب)
الأمم المتحدة والفشل في حماية المنشآت النووية
في إطار الشعارات، أكدت الأمم المتحدة، من خلال الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)، مراراً على ضرورة عدم مهاجمة المنشآت النووية أبداً، وتحييدها عن الصراعات نظراً للعواقب الوخيمة التي قد تترتب على ذلك وتنعكس على المدنيين والبيئة عامةً.
على الرغم من هذه التحذيرات والقرارات، تعرضت المنشآت النووية لهجمات عسكرية وكان أبرز تلك الهجمات المدمرة:
مفاعل «أوزيراك» في العراق (1981): تعرض للهجوم من قبل إسرائيل. واكتفى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بإدانة الهجوم ووصفه بأنه «انتهاك واضح لميثاق الأمم المتحدة».
مفاعل «الكبار» في سوريا (2007): تعرض للهجوم من قبل إسرائيل. وأدانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية نهج «أطلق النار أولاً ثم اطرح الأسئلة لاحقاً» من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل.
المنشآت النووية الإيرانية (2025): تعرضت عدة منشآت إيرانية، بما في ذلك نطنز وأصفهان، لضربات عسكرية إسرائيلية. وأكد غروسي أن هذه الهجمات تهدد السلامة النووية وتزيد من فرصة إطلاق إشعاعي.
وتقف تقارير الأمم المتحدة ووكالتها للطاقة الذرية خلف تبرير كل الهجمات السابقة، كما أنها لا زالت حتى اليوم تختلق عبر ما تسميه رصد «أنشطة غير سلمية» ذريعة للصراعات الكبرى في العالم.

