ترامب يلاحق «المخرّبين»: لا مكان للطلاب الأجانب
بعد أن خرج طلاب الجامعات الأميركية مطالبين بوقف حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، وصل دونالد ترامب إلى الرئاسة الأميركية، وقام بما يجيد فعله صاحب أي نفوذ غير الكفوء: الانتقام.


في 27 آذار الفائت، وفي مؤتمر صحافي أعقب زيارته إلى غينيا، وقف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو منفعلاً ليعلن عن نية إدارة بلاده سحب تأشيرات 300 طالب أجنبي، وصفهم بـ«المعاتيه». جاء هذا التصريح رداً على سؤال صحافي حول اعتقال الطالبة التركية رميساء أوزتورك، من جامعة «تافتس». الطلاب الذين قصدهم روبيو هم أولئك الذين «يخربون الجامعات، يعتدون على الطلاب، يحتلون المباني، ويحدثون جلبة»، على حد وصفه.
بعد أن خرج طلاب الجامعات الأميركية مطالبين بوقف حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، وصل دونالد ترامب إلى الرئاسة الأميركية، وقام بما يجيد فعله صاحب أي نفوذ غير الكفوء: الانتقام.
الطلاب هدفاً لترامب
في أجدد تدبير، فرضت وزارة الخارجية الأميركية، يوم الأربعاء الفائت، قواعد جديدة للحصول على التأشيرات، تلزم الطلاب الأجانب بالكشف عن حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، ليتمكن الديبلوماسيون من مراجعة نشاطهم قبل منحهم تأشيرات الدراسة. ومن يرفض ذلك، يُعدّ مشبوهاً، لأنه «يحاول إخفاء نشاطاته عن السلطات».
تهدف هذه الإجراءات إلى رصد ما تسميه الخارجية بـ«مؤشرات العداء تجاه المواطنين أو الثقافة أو الحكومة الأميركية»، أو «دعم الإرهاب والمضايقات المعادية للسامية». وتشمل التدقيقات فئات التأشيرات الدراسية F، والتبادل الثقافي J، والسياحية M.
هذا الإعلان ليس حدثاً معزولاً، بل يندرج ضمن سياسة ممنهجة تنتهجها إدارة ترامب، تستهدف الطلاب العرب والداعمين للقضية الفلسطينية. فمن الاعتقالات إلى سحب التأشيرات، تتخذ هذه الحرب أشكالاً متعددة، تسعى في جوهرها إلى منع هؤلاء الطلاب من التعلم داخل الجامعات الأميركية، تحت ذريعة حماية «الأمن القومي» ومحاربة «معاداة السامية».
-
جامعة «كولومبيا» في نيويورك (أ ف ب)
اعتمدت إدارة ترامب سياسة «اصطد والغي» (Catch and Revoke)، إذ قامت بتدقيق أسماء نحو 1.3 مليون طالب أجنبي عبر قواعد بيانات جنائية، وألغت فجأة مئات التأشيرات، معظمها تعود لطلاب من دول ذات غالبية مسلمة أو من خلفيات غير بيضاء، من دون معايير واضحة أو شفافة.
وتم تصنيف الطلاب الناشطين في الحراك الطالبي المؤيد لفلسطين، مثل الطالب الفلسطيني محمود خليل والطالبة الهندية رانجاني سرينيفاسان في جامعة كولومبيا، على أنهم «مؤيدون لحماس» أو يمثلون تهديداً أمنياً، وسُحبت تأشيراتهم بسبب آرائهم السياسية، ولا يزال خليل معتقلاً حتى اليوم.
ألغيت التأشيرات من دون إشعار مسبق، أو توضيحات، أو منح فرصة للطلاب للدفاع عن أنفسهم. كما لم يتم إعلام الجامعات، التي كانت تكتشف الأمر فقط بعد اختفاء الطلاب من نظام SEVIS، وهو نظام إلكتروني تستخدمه وزارة الأمن الداخلي الأميركية لتتبع ومراقبة الطلاب غير المهاجرين وزوار التبادل في الولايات المتحدة.
من الطلاب إلى الجامعات
ولم تقتصر هذه الحملة على الأفراد فقط، بل شملت أيضاً المؤسسات الأكاديمية. وشددت إدارة ترامب حملتها على جامعة «هارفارد»، ذلك بعد رفضها تنفيذ سلسلة إجراءات تدخل ضمن السياسة الإدارية للجامعة. وقد طلبت إدارة ترامب من الجامعة اتباع الحياد السياسي، أي منع ما تعتبره الإدارة «ترويجاً للأفكار الراديكالية» أو «اليسارية المتطرفة» داخل الحرم الجامعي، خاصة بعد تصاعد الحراك المؤيد لفلسطين، ومكافحة معاداة السامية وفقاً لتعريف الإدارة، وإلغاء أو تعليق برامج التبادل الثقافي.
بدأت التدابير ضد الجامعة في نيسان الفائت، عبر تجميد الحكومة الأميركية التمويل الفدرالي البحثي المخصص لهارفارد والمقدر بـ2.2 مليار دولار، إلى جانب عقود بقيمة 60 مليون دولار، ووضعت نحو 9 مليارات دولار قيد المراجعة. بررت إدارة ترامب هذه الخطوة بفشل الجامعة في «مكافحة معاداة السامية» و«تبنيها لسياسات تقدمية متطرفة».
-
جامعة «هارفارد» (أ ف ب)
ردّت الجامعة برفع دعوى قضائية ضد الحكومة الفيدرالية، والذي يفترض أن يصدر الحكم فيها في تموز المقبل. فطلب ترامب من مصلحة الضرائب الأميركية، سحب صفة «المنظمة غير الربحية» عن «هارفارد»، مهدداً بذلك أحد أبرز امتيازاتها المالية. وبرر ترامب موقفه بأن الإعفاء الضريبي «امتيازٌ وليس حقاً». ورغم أن مصلحة الضرائب لم تتخذ أي إجراء رسمي بعد، إلا أن الجامعة اعتبرت التصريحات تهديداً مباشراً لاستقلاليتها الأكاديمية.
أعقب ذلك قرار وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم بإلغاء ترخيص يسمح لهارفارد باستقبال الطلاب الأجانب. وأوقفت محكمة فدرالية في بوسطن تنفيذ القرار مؤقتاً. غير أن ترامب عاد وأصدر مرسوماً رئاسياً في 4 حزيران، يمنع بموجبه إصدار تأشيرات دخول جديدة للطلاب الأجانب في «هارفارد»، مطالباً الطلاب الحاليين بالبحث عن بدائل أو مغادرة البلاد. وردّت الجامعة بتوسيع الدعوى القضائية، وتم تمديد القرار القضائي المؤقت بانتظار الحسم النهائي في 23 حزيران الجاري.
يشنّ ترامب حرباً أيديولوجية على الطلاب المؤيدين لفلسطين، محوِّلاً نظام التأشيرات إلى أداة سياسية لفرض سلطة أمر واقع جديدة في الولايات المتحدة. ومن المؤكد أن هذه الخطوة ستنعكس سلباً على النظام التعليمي الأميركي، إذ إنّ من تصنّفهم الإدارة الأميركية على أنهم «مخرّبون» أو «إرهابيون»، هم في الحقيقة طلاب موهوبون وباحثون تسهم أعمالهم الأكاديمية والبحثية في تطوير مختلف المجالات العلمية في البلاد.
