
تعيش الإدارة الأميركية، حالياً، حالة «ترقب» للشكل الذي سيتخذه الرد الإيراني عقب العدوان الأميركي على المنشآت النووية الإيرانية، والذي ستتكشف، على إثره، نتائج «المقامرة» الأميركية الأخيرة. وفي حين أوحت تصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، جنباً إلى جنب مصادر من داخل الإدارة الأميركية، بأنّ الضربات هي مجرد «عمل محدود»، فإنّ عدداً من المراقبين يحذرون من أنّ طهران لن تقبل، على الأرجح، التراجع عن مواقفها تحت الإكراه، مذكّرين بأنّ الصراع المسلح نادراً ما يكون «قابلاً للتنبؤ»، وهو ما أثبتته الحروب الأميركية الطويلة والمكلفة في العراق وأفغانستان.
وتأتي هذه الخطوة غير المسبوقة من جانب إدارة ترامب، بعدما بنى الأخير - جزئياً - حملاته الانتخابية، طوال عقد من الزمن، على معارضة التدخلات الخارجية، والتنديد بالرئيس الأسبق، جورج بوش، بسبب حرب العراق. كما تأتي بعدما وعد الرئيس الجمهوري بعدم استنزاف خزائن الولايات المتحدة في الغزوات الأجنبية التي كلفت أرواح الأميركيين، من دون أن «تقدم سوى القليل لتعزيز المصالح الأميركية». ومن شأن ذلك التحول أن يضع مصير ترامب، لا بل مصير العالم بأكمله على المحكّ.
ورغم ادعاءات ترامب ووزارة دفاعه حول «نجاح» الهجوم الأميركي، فإنّ تقدير نتائجه لا يزال يتطلب الكثير من التقييم والمراقبة، علماً أن احتفاظ إيران بما يكفي من قدرتها على التخصيب ومخزونها من اليورانيوم، قد يؤدي إلى استعجالها إنتاج سلاح نووي، رداً على «البلطجة» الإسرائيلية والأميركية، بحسب عدد من المحللين.
وفي هذا الإطار، يرد في تقرير نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأميركية أنّه في حين من الممكن أن يؤدي الهجوم الأميركي بالفعل إلى «استسلام إيران بشروط ملائمة لإسرائيل والولايات المتحدة»، إلا أنّه من المرجح، بالقدر نفسه أو «حتى أكثر»، أن يؤدي إلى جر الولايات المتحدة إلى عمق الحرب مع ما يترتب على ذلك من عواقب سلبية عميقة؛ إذ يكاد يكون من المؤكد أن إيران ستسعى إلى تطبيق صورة من صور الانتقام، ربما عبر مهاجمة القواعد الأميركية القريبة أو قتل الجنود الأميركيين، ما سيؤدي إلى تصعيد أكثر اتساعاً، مع ما سيتبعه من آثار مدمرة على المنطقة وتورط أميركي في حرب «لا يريدها سوى عدد قليل من الأميركيين».
وبعدما أشارت واشنطن إلى أنها أبلغت طهران بأن الضربات ستجعل مدى التدخل الأميركي «محدوداً»، طالما امتنعت إيران عن الانتقام، في إشارة إلى أنّ ترامب يأمل في أن تتمكن الولايات المتحدة من استيعاب الانتقام الإيراني المحدود، ومحاولة الابتعاد عن التورط بشكل أعمق في الحرب، فإنّ هذه الحيلة «محفوفة بالمخاطر بشكل لا يصدق».
وطبقاً لأصحاب الرأي المتقدم، تقف القيادة الإيرانية أمام مسارين: أولهما أن تختار إطلاق عدد محدود من الصواريخ على القواعد الأميركية، تماماً كما فعلت في عام 2020؛ وفي حين أنّه من المؤكد أن هذا الرد من شأنه أن يؤدي إلى مقتل جنود أميركيين، إلا أنّه من الممكن أن تخرج واشنطن من مثل هذا الهجوم سالمة في الغالب، علماً أن من المرجح أن يكون الجيش الأميركي قد نقل بالفعل قسماً غير قليل من قواته بعيداً من قواعده القريبة من إيران، مع إضافة أصول دفاع صاروخي لمواجهة أي هجوم إيراني. وعليه، وفي حال كانت الخسائر الأميركية «محدودة»، يمكن لترامب ابتلاع الهجوم، وتكرار قواعد لعبة عام 2022، ما سيتيح للولايات المتحدة «التنحي» من القتال.
على أنّ الاحتمال الآخر يتمثل في أن تشن إيران هجوماً أكثر شمولاً ضد القوات الأميركية في الشرق الأوسط، وهو ما قد يسفر عن خسائر بشرية كبيرة ويجر الولايات المتحدة إلى حرب طويلة الأمد، ولا سيما أن القيادة الإيرانية تعلمت، على الغالب، الدرس من تصرفات ترامب في وقت سابق من هذا العام في اليمن، حيث تراجع بعد شهر من تصعيد عمليته العسكرية، عقب فشل الهجمات الأميركية في إظهار أي نتائج. بمعنى آخر، قد ترى طهران في الإصرار والهجوم «أفضل وسيلة لإجبار ترامب على التراجع».
وعلى المدى الطويل، فإن نتائج قرار ضرب إيران تبدو غير مضمونة إلى حد كبير، طبقاً لـ«فورين أفيرز»، فيما يبقى «من غير المعقول إلى حد كبير، كما يأمل البعض في إسرائيل والولايات المتحدة، أن تؤدي هذه الهجمات إلى التعجيل في انهيار النظام الإيراني»، نظراً إلى أنّ النظام لا يزال يملك الأسلحة، ولا توجد قوة برية قادمة لغزو إيران والإطاحة بالجمهورية الإسلامية؛ فإيران «ليست سوريا بشار الأسد، البلد الذي دمره وأفرغه عقد من الحرب الأهلية قبل انهيار النظام في كانون الأول 2024». وحتى لو أدى الصراع «ومقتل هذا العدد الكبير من كبار المسؤولين الإيرانيين إلى انهيار النظام»، فمن غير المرجح أن يؤدي عدم الاستقرار والعنف الذي قد يصاحبه إلى بروز «ديموقراطية»، بل يمكن بدلاً من ذلك أن تَظهر قيادة أكثر تطرفاً أو فراغ خطير.
وفي الإطار نفسه، يرد في تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية أنّه في حال استهدفت إيران القوات أو المواطنين الأميركيين، فقد يتصاعد الصراع بسرعة، مشيرةً إلى أنّ مثل ذلك السيناريو هو أحد أسباب عدم محاولة أي رئيس أميركي قبل ترامب توجيه ضربة عسكرية ضد البرنامج النووي الإيراني. وتنقل الصحيفة عن السيناتور الديموقراطي، والعضو البارز في «لجنة القوات المسلحة»، جاك ريد، قوله إنّ الهجوم الأخير كان بمنزلة «مقامرة ضخمة من جانب الرئيس ترامب، ولا أحد يعرف حتى الآن ما إذا كانت ستؤتي ثمارها».
وتنبّه روزماري كيلانيك، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة «Defense Priorities» البحثية ومقرها واشنطن، بدورها، إلى أنّ «الولايات المتحدة معرضة لخطر الانجراف إلى حرب أخرى لتغيير النظام، قد تغرق الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لعقود أخرى».
ورغم أن ترامب قال إن الضربات العسكرية تهدف إلى دفع إيران نحو التوصل إلى اتفاق بشروط أميركية، فإن بعض المحللين حذروا من أنه من غير المرجح أن تستسلم طهران تحت الإكراه.
وطبقاً لعدد من التحليلات الغربية، فإنّ العبر التي يجب استقاؤها من الهجوم الأميركي على إيران تتجاوز منطقة الشرق الأوسط؛ إذ إنّه سواء قبلت إيران بالعودة إلى طاولة المفاوضات أم لا، فقد أرسل ترامب إشارة قوية إلى روسيا والصين، مفادها أن «رغبته في تجنّب الانخراط في حروب جديدة، لا تمنعه من استخدام القوة عندما يعتقد أن المصالح الأساسية للولايات المتحدة على المحك».

