
اختلفت روايتا واشنطن وطهران حول نتائج الضربة الأميركية ضد منشآت إيران النووية، والتي استُخدمت فيها القنبلة الأقوى لدى الولايات المتحدة والطائرات الأضخم والأكثر تطوّراً. وفيما أعلنت الولايات المتحدة تدمير البرنامج النووي الإيراني، أكّدت إيران أنها كانت أفرغت المنشآت من محتوياتها ونقلت اليورانيوم المخصّب، ولا سيما من منشأة «فوردو»، إلى مكان آمن.
ولكنّ الهدف الكبير المتمثّل في دفع طهران للعودة إلى طاولة المفاوضات بالشروط الأميركية، والذي يعني عملياً تجنيب أميركا التورّط في حرب طويلة أخرى في الشرق الأوسط، لم يتحقّق. بل على العكس تماماً، إذ فتحت الضربة الباب أمام الحرب الواسعة التي باتت الآن أقرب، ولا يفصل عنها سوى الردّ الإيراني. كما أخفق الهجوم في حماية إسرائيل من الصواريخ الإيرانية التي سجّلت مشهد دمار جديداً في قلب الكيان تفرّج عليه العالم بأسره.
وإذ أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بعيد الضربات التي استهدفت منشآت فوردو ونطنز وأصفهان أن هذه المواقع «دُمّرت بشكل كامل»، مهدّداً بضربات أشد إذا لم تسع طهران إلى السلام، أو إذا بادرت الى الردّ، أكّد المسؤولون الإيرانيون على مختلف مستوياتهم أن الردّ آت. وجزم علي شمخاني، مستشار المرشد الأعلى، السيد علي الخامنئي، أن بلاده «لا تزال تحتفظ بمخزونها من اليورانيوم المخصّب» على الرغم من الضربات الأميركية. وكتب على منصة «إكس» أنه «حتى لو دُمرت المواقع النووية فإن اللعبة لم تنته.
إن المواد المخصّبة والمعرفة المحلية والإرادة السياسية باقية»، مضيفاً أن «المبادرة السياسية والعملانية هي الآن لدى الطرف الذي يمارس اللعبة بذكاء ويتجنّب الضربات العمياء. المفاجآت مستمرة». وشدّد الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، بدوره، خلال اتصال هاتفي مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، على أن الولايات المتحدة يجب أن «تتلقّى رداً» على العدوان.
وفي تفاصيل العملية التي أطلقت واشنطن عليها اسم «مطرقة منتصف الليل»، كشف رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، الجنرال دان كاين، أن «سلسلة الضربات الرئيسية نُفّذت عبر سبع قاذفات شبح بي-2، حلّقت انطلاقاً من البر الأميركي إلى إيران لـ18 ساعة، تخلّلتها عدة عمليات إمداد بالوقود في الجو»، مضيفاً أنه لم تُسجّل «طلعات للمقاتلات الإيرانية، ويبدو أن أنظمة الصواريخ أرض - جو الإيرانية لم ترصدنا خلال المهمة»، مشيراً إلى أن «القاذفة التي كانت تتقدّم السرب ألقت قنبلتين خارقتين للتحصينات من طراز جي بي يو-57 على منشأة فوردو، وأن القاذفات ألقت 14 قنبلة جي بي يو-57، زنة كل منها 13600 كيلوغرام، في أول استخدام لهذا السلاح في عمليات».
إسرائيل تسعى لتكريس نموذج «حرية العمل» داخل العمق الإيراني
وجاءت تعبيرات «الشكر» و»الصلاة»، التي أهداها رئيس وزراء العدو، بنيامين نتنياهو، لترامب، من حائط المبكى، لتعكس الاستماتة الإسرائيلية لتوريط الأميركيين في الحرب، وهو ما لم يتحقّق له بعد، ولا سيما مع إعلان واشنطن أنها لا تنوي في الوقت الراهن شنّ اعتداءات إضافية في انتظار ما ستؤول إليه الأمور مع طهران. ومع ذلك، حاول نتنياهو تسويق صورة نصر لجمهوره المأزوم، معتبراً أنه «تمّ الوفاء بالوعد» بتدمير البرنامج النووي الإيراني، مضيفاً أن «الرئيس ترامب وأنا نقول في كثير من الأحيان: السلام من خلال القوة. أولاً تأتي القوة، ثم يأتي السلام».
وكانت إسرائيل سعت لاستثمار العدوان الأميركي لتشتيت الانتباه عن الضربات الصاروخية الإيرانية الصباحية التي استهدفتها بعده، والتي تكشّفت مرة أخرى عن مشاهد دمار واسعة في تل أبيب وحيفا و»نس تسيونا» غرب مدينة الرملة، والتي تضم معهداً للأبحاث البيولوجية.
وعلى الرغم من الرقابة العسكرية المشدّدة، تحدّثت وسائل إعلام عبرية عن جرح 27 مستوطناً في الهجوم، بينهم مصابان في حالة خطرة. كما أشارت إلى أن نحو 20 شخصاً كانوا لا يزالون عالقين تحت الأنقاض في «نس تسيونا».
وفي ضوء ما تقدّم، بدت إسرائيل مستعجلة لوقف الحرب عند الوضع الحالي؛ ونقل موقع «واينت» عن مسؤول إسرائيلي القول إنه «إذا أوقف الخامنئي إطلاق النار غداً، وقال إنه يريد إنهاء الحرب، فإننا سنقبل بذلك». ومع ذلك، أعلن جيش العدو أن طائراته الحربية استهدفت، أمس، «عشرات» المواقع في أنحاء إيران، من بينها مركز قيادة صواريخ الإمام الحسين الاستراتيجي في محافظة يَزد وسط البلاد، وموقع للدفاع الجوي في مدينة شيراز في جنوب إيران.
وإذ انضمت الدول الغربية، ومنها فرنسا وبريطانيا وألمانيا، إلى الولايات المتحدة في دعوة إيران إلى العودة إلى طاولة المفاوضات، ندّدت كل من الصين وروسيا بالعدوان الأميركي باعتباره «انتهاكاً فاضحاً للقانون الدولي»، على حدّ تعبير بيان لوزارة الخارجية الروسية، وذلك قبل أن ينعقد مجلس الأمن مساء لبحث الوضع في الشرق الأوسط بعد هذا العدوان.
من جهتها، أعربت دول الخليج عن قلقها من التطورات؛ وأكّدت الرياض في بيان لوزارة الخارجية أنها «تتابع بقلق بالغ تطورات الأحداث في الجمهورية الإسلامية الإيرانية الشقيقة المتمثّلة في استهداف المنشآت النووية الإيرانية من قبل الولايات المتحدة الأميركية»، مجدّدة «إدانتها واستنكارها لانتهاك سيادة» طهران. وأسفت قطر، بدورها، في بيان مماثل، للضربات الأميركية على منشآت نووية إيرانية، محذّرة من «تداعيات كارثية» للتصعيد الراهن على مستوى الإقليم والعالم، في حين دانت سلطنة عُمان العدوان، داعية إلى خفض «فوري وشامل» للتصعيد، وأعربت الإمارات، من جانبها، عن «قلقها البالغ»، مطالبة بـ»الوقف الفوري للتصعيد» لتجنيب المنطقة تداعيات خطيرة.

