
قدّمت إيران، مساء أمس، من خلال استهداف قاعدة «العديد» في قطر، أكبر قاعدة أميركية في الشرق الأوسط، بالصواريخ، رداً على العدوان الأميركي الذي استهدف منشآتها النووية، نموذجاً لما يمكن أن تتدحرج إليه الأوضاع في الشرق الأوسط، والخليج تحديداً، في حال توسّع الحرب. وبدا أن طهران استعادت زمام المبادرة، مع ورود تقارير عن أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ينوي ابتلاع الردّ الإيراني، وعدم الردّ عليه، في حين بدأت إسرائيل التي ظلّت تحت رحمة الصواريخ الإيرانية التي تستهدف أصولها الاستراتيجية، تعبّر صراحة عن استعدادها لوقف الحرب.
وفي بيان سلّط فيه الضوء على سرعة الردّ الذي جاء «بعد ساعات» من العدوان الأميركي، أكّد «المجلس الأعلى للأمن القومي» في إيران أنه «ردّاً على العدوان والتحرّك الأميركي الوقح ضد مواقع ومنشآت إيران النووية، هاجمت القوات المسلحة الباسلة للجمهورية الإسلامية الإيرانية قاعدة العديد الأميركية في قطر»، موضحاً أن «عدد الصواريخ المستخدمة يعادل عدد القنابل التي استخدمتها الولايات المتحدة في مهاجمة منشآت إيران النووية».
وشدّد على أن «هذا التحرك لا يشكّل أي تهديد لدولة قطر الشقيقة والصديقة»، في حين نقلت وسائل إعلام إيرانية عن «الحرس الثوري» تأكيده أن ستة صواريخ أصابت القاعدة الأميركية. وبعد الردّ، كتب المرشد الأعلى، السيد علي الخامنئي، على منصة «إكس»، يقول: «إننا لم نؤذ أحداً. ولن نقبل أي مضايقات من أحد تحت أي ظرف من الظروف. ولن نخضع لمضايقات أحد؛ وهذا هو منطق الأمة الإيرانية». وبالتوازي مع ذلك، بثّ التلفزيون الرسمي الإيراني مشاهد مباشرة من تجمّع احتفالي في وسط طهران، حيث لوّح المشاركون بالأعلام الإيرانية وهتفوا «الموت لأميركا»، بينما أطلق آخرون أبواق سياراتهم.
في المقابل، وفي مؤشر واضح إلى أن واشنطن لا تنوي الردّ على الردّ، نقلت محطة «سي أن أن» عن مسؤول في البيت الأبيض القول إن «إدارة ترامب كانت تتوقّع أن تردّ طهران والرئيس لا يريد مزيداً من المشاركة العسكرية في المنطقة».
وبالفعل، وبعد ساعات من الردّ الإيراني، أصدر ترامب بياناً قال فيه إن «إيران ردّت رسمياً على تدمير منشآتها النووية، بردّ ضعيف كما توقّعنا، وقد أوقفناها فعلياً. ومن بين الصواريخ الأربعة عشر التي أطلقتها، تمّ اعتراض 13 صاروخاً، وتُرك صاروخ واحد لأنه لم يشكّل أي تهديد. لم يُصب أي أميركي بأذى، والأضرار تكاد تكون ضئيلة. أشكر إيران على الإنذار المُبكر، الذي ساهم في تجنّب خسائر في الأرواح .
لعلّنا الآن نمضي قدماً نحو السلام والوئام في المنطقة، وأُشجّع إسرائيل على التصرّف بنفس الروح». وأضاف: «أشكر سمو أمير قطر على جهوده من أجل السلام». وكانت تحدّثت «سي أن أن» أيضاً، عن أن مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، «استمر على تواصل دائم مع المسؤولين الإيرانيين منذ انتهاء الغارات الأميركية». وعلى مستوى وزارة الدفاع الأميركية، أفاد مسؤول فيها بأن «قاعدة العديد الجوية تعرّضت لهجوم بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مصدرها إيران. وفي الوقت الحالي، لا توجد تقارير عن سقوط ضحايا أميركيين»، علماً أن صور أقمار صناعية كانت أظهرت، قبل أيام، أن الولايات المتحدة أخلت القاعدة في قطر من الطائرات والمعدات تحسّباً للرد الإيراني.
الخامنئي: لن نخضع لمضايقات أحد وهذا هو منطق الأمة الإيرانية
أما الدوحة، فقالت في بيان لوزارة خارجيتها، إن دفاعاتها الجوية «نجحت في اعتراض الهجوم الصاروخي على قاعدة العديد»، وقالت إنه «لم ينتج من الحادث أي وفيات أو إصابات»، مضيفة أنها تعتبر الهجوم الإيراني «انتهاكاً صارخاً» لسيادتها، وأنها «تحتفظ بحق الرد المباشر بما يتوافق مع القانون الدولي». وفي وقت لاحق من المساء، أعلنت وزارة الداخلية القطرية أن الأوضاع «مستقرة». وفي حين لم تستخدم الدوحة، كلمة «عدوان» في توصيف الهجوم الإيراني، فإن الرياض فعلت، وقالت في بيان لوزارة خارجيتها إنها «تدين وتستنكر بأشد العبارات العدوان الذي شنّته إيران على دولة قطر الشقيقة»، معتبرة أنه «أمر مرفوض ولا يمكن تبريره بأي حال من الأحوال».
وأكّدت مساندتها لقطر «في كل ما تتخذه من إجراءات»، بينما دانت وزارة خارجية الإمارات «استهداف الحرس الثوري الإيراني لقاعدة العديد الجوية في دولة قطر الشقيقة». وفي الوقت نفسه، أغلقت قطر والبحرين والإمارات والكويت والعراق أجواءها مؤقتاً على ضوء التطورات الأمنية في المنطقة.
وكانت إيران أطلقت، في وقت سابق أمس، 15 صاروخاً وعدداً من الطائرات المُسيّرة الذكية، على أهداف امتدّت من شمال فلسطين المحتلة إلى جنوبها. ونجحت العملية المركّبة في إصابة أهداف حيوية، بما في ذلك منشأة كهرباء في أسدود، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء عن 8 آلاف منزل لساعات، فضلاً عن اضطراب حركة الطيران في مطار «بن غوريون» في تل أبيب.
واستخدمت طهران للمرة الأولى صاروخ «خيبر» أو «خورمشهر 4» الذي يزن رأسه الحربي 1500 كيلوغرام من المتفجّرات، وهو ما أحدث أضراراً كبيرة من بينها انقطاع في الإمدادات الكهربائية في جنوب فلسطين المحتلة، إثر تعرّض منشأة «بنية تحتية استراتيجية» في موقع غير محدد للاستهداف، بحسب ما أقرّت به شركة الكهرباء الحكومية الإسرائيلية.
وفي ضوء المشاهد اليومية للدمار في المدن الإسرائيلية التي تبثّها قنوات التلفزة في أنحاء العالم، كرّرت تل أبيب استعدادها لوقف الحرب إن قبلت إيران بذلك، وهو ما قالت إنه غير مرجّح حالياً. ونقلت وسائل إعلام عبرية عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن إسرائيل مهتمة بوقف الحرب «في أقرب وقت ممكن».
وكان أعلن وزير حرب العدو، يسرائيل كاتس، بعد الهجوم الإيراني على إسرائيل، أن جيشه ضرب «بقوة غير مسبوقة أهدافاً تابعة للنظام والأجهزة الحكومية القمعية في قلب طهران من بينها سجن إيوين، والمقرّ العام للأمن الداخلي للحرس الثوري والمقرّ العام للباسيج»، في حين أفادت وزارة العدل الإيرانية بتضرّر بعض أجزاء سجن إيوين حيث يُحتجز سجناء غربيون. كذلك، دوّت انفجارات في مدينة الأهواز في جنوب غرب إيران، وتحديداً عند الأطراف الغربية للمدينة التي تمثّل مركز محافظة خوزستان الواقعة على الحدود مع العراق.
إلى ذلك، وعلى هامش زيارة وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، موسكو، دار سجال أميركي - روسي، حول الحرب على إيران التي وصفها الرئيس فلاديمير بوتين في اجتماعه مع عراقجي بأنها «عدوان غير مبرّر». وعلّق ترامب على تصريح لرئيس الوزراء الروسي، دميتري ميدفيديف، الذي قال إن «عدداً من الدول مستعدة لتزويد إيران برؤوس نووية مباشرة»، بالقول: «هل سمعت بشكل صحيح أن الرئيس الروسي السابق (ميدفيديف) استخدم كلمة نووي؟»، ليرد ميدفيديف بعد ذلك بأن «الضربة الأميركية على إيران فشلت في تحقيق أهدافها. لذلك لن نزوّد إيران بأسلحة نووية حالياً».
وقال بوتين لعراقجي عن الضربات الأميركية: «هذا عدوان غير مبرّر على الإطلاق على إيران»، مشيراً إلى أن روسيا «تعمل على تقديم المساعدة للشعب الإيراني». وأكّد الوزير الإيراني، بدوره، للرئيس الروسي، أن روسيا كانت «شريكاً ورفيقاً» لطهران، مشيداً بالعلاقات التي وصفها بأنها «وثيقة للغاية وطويلة الأمد».

