
قبل العدوان الأميركي على المنشآت النفطية الإيرانية، لم تكن شحنات النفط التي تمر عبر مضيق هرمز قد تأثّرت، بشكل كبير، بالتوترات المتصاعدة في المنطقة؛ إذ شهدت الشحنات القادمة من إيران نفسها ارتفاعاً حاداً، وظَلّ نشاط ناقلات النفط مستقراً إلى حدّ كبير. على أنّ نهاية الأسبوع شهدت أوّل الإجراءات «الاحترازية» من جانب عدد من السفن والحكومات؛ وهي إجراءات من المتوقّع أن تتزايد مع تلويح إيران، أخيراً، بإمكانية التحرك نحو إغلاق المضيق.
وفي هذا السياق، نصحت وزارة الشحن اليونانية، الأحد، أصحاب السفن في البلاد بمراجعة استخدام «هرمز»، في حين أفادت وكالة «بلومبرغ» بأنّ ناقلتين عملاقتين، كل منهما قادرة على نقل نحو مليوني برميل من النفط الخام، استدارتا، بعدما أثارت الغارات الجوية الأميركية على إيران مخاطر وقوع ردّ يمكن أن يزعزع الشحن التجاري. وكانت كل من «كوسويزدوم لايك» و«ساوث لويالتي» قد دخلتا الممر المائي، قبل أن تغيّرا مسارهما فجأة الأحد، وفقاً لبيانات تتبّع السفن التي جمعتها «بلومبرغ»، ثمّ أبحرتا جنوباً بعيداً عن مصب الخليج العربي، في أول مؤشرات حصول تغييرات في مسار السفن.
وتتزامن الإجراءات المشار إليها مع تداول وسائل إعلام خبراً مفاده أن البرلمان الإيراني وافق على إغلاق مضيق هرمز، فيما يبقى القرار رهن موافقة المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران. كما أن عضواً في لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، قال إن الحرس الثوري مستعدّ لإغلاق المضيق «إذا اقتضت الحاجة والظروف ذلك»، وذلك بعدما كان النائب والقائد في الحرس الثوري الإيراني، إسماعيل كوثري، أكّد، في حديث إلى «نادي الصحافيين الشباب»، الأحد، أنّ إقفال «هرمز» مطروح، مشيراً إلى أنّه «سيتم اتخاذ القرار إذا دعت الحاجة».
أيضاً، نقلت تقارير صحافية عن سارة فلاحي، وهي عضو في اللجنة الأمنية في البرلمان، أن الإغلاق المحتمل لـ«هرمز» سيكون على جدول الأعمال في جلسة خاصة للجنة البرلمانية، في وقت زعمت فيه وسائل إعلام عبرية أن قائد البحرية في الحرس هدّد بإغلاق المضيق «خلال ساعات»، على الرغم من عدم حديث الجانب الإيراني عن أي مهلة زمنية محدّدة حتى اللحظة.
ويُنظر على نطاق واسع إلى «هرمز» على أنّه ورقة ضغط قادرة على فرض تكلفة مباشرة على الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، نظراً إلى أنّ إغلاقه سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وزيادة شبه فورية في التضخم في الولايات المتحدة وجميع أنحاء العالم. وبالفعل، أفادت شبكة «سي أن أن» الأميركية بأنه في حين لم تحدث أي اضطرابات كبيرة في إمدادات النفط العالمية حتى الآن، فإن الهجمات الإسرائيلية، ثمّ الأميركية، على إيران، هزّت المستثمرين، وهو ما أدّى إلى ارتفاع العقود الآجلة للنفط بنحو 10% منذ بدء الأعمال العدائية، وسط مخاوف من أن إيران قد ترد بتعطيل الشحن في «هرمز». ووسط ترقّب للرد الإيراني، قال روب ثوميل، المسؤول في شركة الاستثمار في الطاقة «تورتويز كابيتال»، في حديث إلى الشبكة، إن أي خلل محتمل في الممر البحري من شأنه أن يتسبب في ارتفاع أسعار النفط إلى نحو 100 دولار للبرميل.
أي خلل في المضيق سيتسبب في ارتفاع أسعار النفط إلى نحو 100 دولار للبرميل
كذلك، سيكون إغلاق المضيق ضاراً بشكل خاص بالصين والاقتصادات الآسيوية الأخرى التي تعتمد على النفط الخام والغاز الطبيعي الذي يتم شحنه عبر الممر المائي؛ إذ تشير تقديرات «إدارة معلومات الطاقة الأميركية» إلى أن 84% من النفط الخام و83% من الغاز الطبيعي المسال الذي عبر المضيق العام الماضي، ذهبت إلى الأسواق الآسيوية. من جهتها، استوردت الصين، أكبر مشتر للنفط الإيراني، 5.4 ملايين برميل يومياً عبر «هرمز» في الربع الأول من هذا العام، في حين استوردت الهند وكوريا الجنوبية 2.1 مليون و1.7 مليون برميل يومياً على التوالي، وفقاً لـ«الإدارة» نفسها. أما الولايات المتحدة وأوروبا فاستوردتا 400 ألف و500 ألف برميل فقط يومياً على التوالي، خلال الفترة نفسها.
وفي ظل التوتر المتصاعد، بادر وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، إلى حثّ الصين، خلال مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، الأحد، على التواصل مع إيران في هذا الصدد، نظراً إلى أنّ بكين «تعتمد بشكل كبير على مضيق هرمز للحصول على نفطها». ورداً على سؤال حول ما إذا كانت الصين قد تواصلت مع إيران بشأن هذه المسألة، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، قوه جياكون، أمس، إن «الخليج الفارسي والمياه المحيطة به قنوات حيوية للتجارة الدولية في السلع والطاقة»، داعياً «المجتمع الدولي إلى تكثيف الجهود لتهدئة التوترات ومنع تأثير عدم الاستقرار الإقليمي على التنمية الاقتصادية العالمية بشكل أكبر».
وعلى الجانب الأوروبي، حذّرت مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، أمس، من أن إغلاق إيران مضيق هرمز «سيكون خطيراً للغاية»، مشيرةً إلى أنّ «المخاوف من تصعيد الحرب كبيرة، خصوصاً إغلاق إيران للمضيق، الأمر الخطير للغاية، والذي لن يكون في مصلحة أحد».
وفي حين يصدّر أعضاء «منظمة الدول المصدّرة للبترول» (أوبك)، أي السعودية وإيران والكويت والعراق معظم نفطهم الخام عبر المضيق، خاصة إلى آسيا، فإنّ أكثر الدول تضرراً من بينها ستكون العراق والكويت، جنباً إلى جنب قطر؛ إذ إنّه ومع إغلاق خط أنابيب النفط المؤدّي إلى البحر الأبيض المتوسط، يتم حالياً شحن جميع صادرات العراق النفطية عن طريق البحر من ميناء البصرة، مروراً بـ«هرمز»، ما يجعل البلاد تعتمد بشكل كبير على حرية المرور فيه. كما ليس أمام الكويت وقطر والبحرين خيار آخر سوى شحن نفطها من خلاله، في حين أنه لدى كل من السعودية والإمارات مسارات أخرى لتصدير شحناتهما.
يُشار إلى أنّ طول المضيق يبلغ 161 كيلومتراً، وعرضه 32 كيلومتراً في أضيق نقطة، وهو يتكوّن من ممرين بحريين رئيسيين، واحد للسفن المتجهة إلى الخليج، وآخر للسفن الخارجة منه إلى بحر عُمان، يبلغ عرض كل ممر منهما 3 كيلومترات فقط، مع منطقة فاصلة بينهما للسلامة. ورغم ذلك، يمرّ عبر «هرمز» حوالى ربع تجارة النفط العالمية؛ إذ نقلت السفن العملاقة عام 2024 ما يقارب الـ16.5 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمكثّفات، الصادرة من السعودية والعراق والكويت والإمارات وإيران، وفقاً لـ«إدارة معلومات الطاقة الأميركية». كما أن أكثر من خُمس الإمدادات العالمية من الغاز، ومعظمها من دولة قطر، عبرت من خلال المضيق في الفترة نفسها.

