
لندن | فرضت الأزمة الناشبة في الشرق الأوسط عن العدوان الإسرائيلي.- الأميركي على إيران، نفسها على جدول أعمال قمّة «حلف شمال الأطلسي» في لاهاي (هولندا)، والتي تستمرّ على مدى يومين. ومن المحتمل أنّ زعماء الدول الـ32 الأعضاء في الحلف، سينخرطون في نقاشات مستفيضة حول تداعيات القصف الأميركي الأخير على ثلاث منشآت نووية إيرانية رئيسة، لا سيّما وسط أنباء تفيد بنقل طهران أكثر من 400 كليوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب إلى أماكن سريّة آمنة قبل الضربة.
كما أنّ هذه القمّة المجدولة منذ وقت طويل، ربّما تكون حاسمة لمستقبل «الناتو»، مع افتراض أنّها ستتوصّل إلى قرار في شأن مطالبة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الحلفاء، برفع نسبة إنفاقهم الدفاعي المستهدَف، إلى ما يعادل 5% من الدخل القومي الإجمالي لكلّ دولة - مقسَّمَة إلى 3.5% للدفاع التقليدي، و1.5% للإنفاق على البنية التحتية والأمن السيبراني -، مقارنةً بالهدف الحالي البالغ 2%، والذي لم يصل إليه كثير من الدول الأعضاء.
وكان الرئيس الأميركي أعلن، في وقت متأخّر من مساء الإثنين، عبر منصّته «تروث سوشال»، التوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران، من شأنه أن ينهي «حرب الـ12 يوماً». ويُعتقد أنّ ترامب سيدفع، على هامش القمّة، حلفاءه الأوروبيين، لا سيّما في الترويكا (فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة)، إلى إعادة الزخم إلى المسار الدبلوماسي لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي.
ورغم أنّ القوى الأوروبية، وبخاصة الترويكا، أشادت بالعملية الأميركية التي جاءت استكمالاً لحملة إسرائيلية مستمرّة استهدفت البنية التحتية النووية الإيرانية، إلّا أنّ مسؤولين أوروبيين تحدّثوا إلى الصحافة في أجواء لاهاي، عن أملهم في أن يثني الزعماء الأوروبيّون، ترامب عن أيّ محاولة لتغيير النظام في إيران، علماً أنّ ذلك الاحتمال ناقشه الرئيس الأميركي ورئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، علناً في الأيام التي سبقت الإعلان عن وقف إطلاق النار.
وحثّت القوى الأوروبيّة، طهران على العودة الفورية إلى المفاوضات، معربةً عن قلقها من أنّ إسرائيل استهدفت مواقع عرضيّة لا علاقة لها بالبرنامج النووي الإيراني. وفي هذا السياق، حذّر رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، من «التقلّبات» في المنطقة، مشجّعاً إيران على «العودة إلى طاولة المفاوضات والتوصّل إلى حلّ دبلوماسي لإنهاء هذه الأزمة». وتساءل وزير الخارجية الألماني، يوهان واديفول، بدوره، عمّا إذا كان من الممكن فعلياً إلغاء المعرفة النووية لطهران، مشدّداً على ضرورة استئناف الحوار، إذ «لا أحد يعتقد بأنه من الجيد الاستمرار في القتال».
يُعتقد أنّ ترامب سيدفع «الترويكا» إلى إعادة الزخم إلى المسار الدبلوماسي لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي
أمّا الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، فقد دعا إلى «خفض التصعيد وممارسة إيران أقصى درجات ضبط النفس في هذا السياق الخطير، للسماح بالعودة إلى الدبلوماسية»، مؤكّداً أنّ «الانخراط في الحوار وتأمين التزام واضح من إيران بالتخلّي عن الأسلحة النووية أمر ضروري لتجنّب الأسوأ في المنطقة بأسرها. لا يوجد بديل».
وقال ماكرون إنه لا يوجد أساس قانوني للضربات الأميركية على القواعد النووية الإيرانية، حتى لو كان تحييد البرنامج النووي الإيراني أمر «مشروع»، مضيفاً إنّ «فرنسا تشاطر هدف عدم رؤية إيران تحصل على سلاح نووي، لكنّنا اعتقدنا دائماً أنه يمكن القيام بذلك عبر طريق دبلوماسي وتقني». وتباعد ماكرون في ذلك عن موقف شريكه في الترويكا، المستشار الألماني فريدريك ميرز، الذي كان صريحاً في دعمه القصف الأميركي والهجمات الإسرائيلية على إيران، قائلاً إنّ طهران هي «نظام الإرهاب في العالم»، وإنه «لا يرى سبباً لانتقاد ما بدأته إسرائيل، ولا يوجد حتى الآن سبب لانتقاد ما فعلته أميركا في نهاية الأسبوع الماضي».
ويبدو أنّ القوى الأوروبية على علم بتزايد الشكوك بين الخبراء حول فاعلية حملة القصف الأميركية، التي أُطلق عليها «عملية مطرقة منتصف الليل»، وادّعاءات «البنتاغون» بأنها «ألحقت أضراراً بالغة» بالبنية التحتية النووية الإيرانية. واعترف مسؤولون أميركيون وإسرائيليون تحدّثوا إلى صحف بريطانية، بأنه «ليس من الواضح كمّية المعدّات والمواد الانشطارية التي تمكّنت طهران من إنقاذها قبل استهداف مواقعها النووية الرئيسة في نطنز وفوردو وأصفهان».
ووفقاً للمسؤول السابق في «البنتاغون» والخبير في الشؤون الأميركية في معهد «أميريكان إنتربرايز»، مايكل روبن، فإنّ ترامب «تحدّث مبكراً جداً» عن أنّ الولايات المتحدة «قضت» على القدرة النووية الإيرانية «بشكل كلّي وكامل». وقال: «ربّما نكون قد انتظرنا وقتاً طويلاً وأعطينا الإيرانيين الوقت لإخلاء مخزوناتهم من المواد المخصّبة. إذا كان الأمر كذلك، فهذا يمثّل فشلاً في القيادة».
ونقلت «فايننشال تايمز» اللندنية، بدورها، عن ريتشارد نيفيو، المسؤول الأميركي الكبير السابق الذي عمل على الملفّ الإيراني في عهد إدارتَي الرئيسَين السابقين أوباما وبايدن، قوله: «سيكون من الحماقة القول إنّ البرنامج (النووي الإيراني) تأخّر لأكثر من بضعة أشهر، إذ على أساس ما نعرفه في هذه المرحلة، لا أحد يعلم مكان اليورانيوم، وليس لدينا أيّ ثقة حقيقية في أنه لدينا القدرة للحصول على هذه المعلومة في أيّ وقت قريب».
لكنّ وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، قلّل من فرص نجاح إيران في تحريك اليورانيوم عالي التخصيب، وقال لشبكة «سي بي إس»: «أشكّ في أنهم نقلوها، لأنه لا يمكن في الواقع تحريك أيّ شيء في الوقت الحالي، إذ في اللحظة التي تبدأ فيها شاحنة في القيادة إلى مكان ما، سيراها الإسرائيليون، ويستهدفونها ويدمّرونها».
وكان علي شمخاني، كبير مستشاري المرشد الأعلى الإيراني، قد كتب عبر حسابه في موقع «إكس»: «حتى لو تمّ تدمير المواقع النووية، فإنّ اللعبة لم تنتهِ بعد، فالمواد المخصّبة والمعرفة الأصيلة والإرادة السياسية تبقى».

