تداعيات الصراع على ضفاف غير عسكرية
العدوان على إيران أعاد ترتيب الوعي العربي وصواريخ طهران حرّكت المزاج الشعبي وأربكت الحسابات التي راهنت على هشاشة الداخل الإيراني.


فرض انتصار الثورة الإسلامية في إيران، في شباط 1979، حزمة من التحوّلات العميقة على ضفاف المشهد العربي، الذي سبق وأن أُصيبت تيّاراته وأحزابه وقواه الفاعلة، بـ«نكسة» تمثّلت في خروج مصر من الصراع الذي كانت تعتبره هذه الأخيرة تناقضاً أساسياً يتحدّد عبره وعيها ومسارها، وصولاً إلى نهوض مشاريعها الرامية إلى بناء الاستقلال. غير أنّ ذاك الانتصار الإيراني، لم يترك أثره في الفضاء العربي فقط، بل هزّ بنية الكيان الصهيوني ذاته مُحدثاً تحوّلات عميقة فيه، في وقت لطالما شكّل فيه الكيان العائق الأول أمام نهوض تلك المشاريع.
في أعقاب انتصار الثورة، انهارت عملياً نظرية «التحالف مع الأطراف»، التي أرساها ديفيد بن غوريون، أحد مؤسّسي الكيان وأول رئيس لوزرائه، والتي قامت على ضرورة نسج تحالفات إستراتيجية مع دول «الأطراف» (إيران وتركيا)، على حساب دول «الطوق» (سوريا، لبنان، الأردن، ومصر)؛ إذ مع قيام الجمهورية الإسلامية، تهاوت تلك النظرية رأساً على عقب، وتعزّز ذلك بوصول «حزب العدالة والتنمية» إلى سدّة السلطة في أنقرة عام 2002، وإن كانت تداعيات هذا الوصول أقل، وبما لا يُقاس، من التداعيات التي خلّفها قيام الجمهورية الإسلامية.
ففي مطلع الثمانينيات، استعادت الأحزاب والتيارات القومية واليسارية والوطنية، جزءاً كبيراً من توازنها، وهو ما انعكس في برامجها التي تبنّت خيار المقاومة كسبيل أوحد، ولا بديل منه، في إدارة الصراع مع كيان تتعدّى مراميه بسط هيمنته على دول المنطقة، إلى محاولة طمس الهوية الحضارية لشعوبها.
ورغم الآثار الثقيلة للحرب العراقية - الإيرانية (1980 - 1988)، ظلّ خطاب تلك الأحزاب متماسكاً، غير فاقد للبوصلة، رغم ما أصابه من انقسامات «سطحية» على خلفيّة المواقف المتباينة لبعض الأحزاب القومية حيال الحرب. وما إن وضعت هذه الأخيرة أوزارها، وأعقبها الغزو العراقي للكويت عام 1990، حتّى استعاد ذلك الخطاب وحدته نتيجة تغيّر نظرة بعض القوميين تجاه حرب الثماني سنوات، وإعادة قراءتها كصراع عبثي لم تكنْ حصيلته سوى صفر نتائج، واستجرار «نكبة» جديدة، لا تزال المنطقة تدفع أثمانها حتى اليوم.
وفي العقدين الأخيرين، شكّلت محطات كبرى نقاط تحوّل عميقة في تموضع القوى، بدءاً من تحرير الجنوب اللبناني في أيار 2000، وحرب تموز 2006 التي ألهب فيها الصمود الأسطوري لـ«حزب الله» وجدان الجماهير وبرامجها، ثم حروب غزّة المتتالية من 2008 حتى 2021؛ إذ دفعت هذه الوقائع بتراصفات جديدة انحازت عبرها العديد من القوى نحو خيار المقاومة، التي أيقن هؤلاء أنها البديل العملي والوحيد من تقديم تنازلات لن تستولد سوى المزيد منها، وفق ما أثبتته تجارب مصر والسلطة الفلسطينية والأردن.
نجح الردّ الإيراني في زعزعة الثقة بين الإسرائيليين وحكومتهم
غير أنّ «منعطف» السابع من تشرين الأول 2023، مع إطلاق عملية «طوفان الأقصى»، شكّل لحظة ضبابية في وعي بعض القوى، التي راحت برامجها تبدي «يأساً»، ولاحقاً ساد لديها شعور بأنّ «الطوفان»، وما تلاه من حرب على لبنان في أيلول الماضي، سيؤدّيان حتماً إلى ضرب إيران. وقد كانت القراءة صائبة في تشخيص الحدث، لكنها لم تكن كذلك في تقدير النتائج التي سيقود إليها بالفعل.
وفي فجر 13 حزيران الجاري، شنّت إسرائيل هجومها على إيران، استناداً إلى معطيات عدّة، أبرزها أنّ «ثمار» الحصار الاقتصادي المفروض على البلاد منذ أكثر من أربعة عقود قد بلغت مرحلة «النضج»، وأنّ مفاعيلها الاجتماعية، وفقاً لتلك القراءة، ستكون بيئة خصبة لإسناد أحد مرامي الهجوم، وهو انهيار الداخل الإيراني، إلى جانب الضربات التي تلقّاها محور المقاومة، والتي حطّت رحالها أخيراً في دمشق بخروجها من المحور في كانون الأول الماضي. وعليه، بُنيت الضربة الأولى على فرضية أنّ النظام الإيراني هشّ بما يكفي ليتداعى حجراً تلو الآخر تحت وقع الهجوم.
لكنّ الواقع أثبت عكس ذلك تماماً؛ فرغم توالي الضربات، بقي بنيان النظام متماسكاً حتى في «مداميكه» التي ظُنّ أنها الأكثر ضعفاً. كما لم يُسجَّل انشقاق واحد في البلاد، بعد مرور أسبوعين على بدء العدوان، ورمي الولايات المتحدة بثقلها دعماً له. لا، بل إنّ إيران أثبتت جاهزية عالية في قدرتها على استبدال قياداتها خلال أربع ساعات، وتمكّنت من الردّ على الضربة الأولى في غضون ست ساعات. وتشير هذه الشواهد إلى عمق مؤسساتي للدولة، وتماسك بنيوي بين «الدولة العميقة» والسلطة الظاهرة، المستندتين إلى قاعدة اجتماعية شديدة الصلابة.
وإلى جانب ذلك، نجح الردّ الإيراني في زعزعة الثقة بين الإسرائيليين وحكومتهم، التي بدت عاجزة عن توفير الأمان لهم. لكنّ الأهم من ذلك، أنّ هذا الردّ أسهم في تغيّر كبير في المزاج العربي العام تجاه إيران، التي صُوّبت تجاهها سهام عديدة بعيد حربَي غزة ولبنان؛ إذ أيقظت الصواريخ الإيرانية، بصداها وأثرها، الوعي الجمعي العربي الذي ظُنّ أنه مات أو اندثر، فيما لطالما كان لسحر القوّة والقدرة على الردّ، مفاعيل لا يضاهيها سحر آخر.
والثابت هو أنّ قدرة طهران على ضرب رموز سيادية في تل أبيب، واستهداف قواعد عسكرية على امتداد فلسطين المحتلة، أفضت إلى تغيّر حاد في زوايا الرؤيا التي كان الكثيرون ينظرون عبرها إلى إيران، وإلى إستراتيجيتها «الحقيقية» حيال الصراع الدائر في المنطقة منذ نحو ثمانية عقود.
ومع ذلك، فإنّ كرة الانزياحات لا تزال اليوم في بداية تدحرجها، ومواقف التيارات والأحزاب لا تزال قيد التبلور؛ إذ إنّ الصورة الشاملة لم تتّضح معالمها بعد، ولعلّها لن تفعل قبيل أن تندفع تل أبيب إلى الانكفاء اللازم لترميم «الجروح»، ثم اللازم لإجراء «جردة حساب» ستكون، من دون شك، مختلفة جذرياً عن نظيراتها أعوام 1956، و1967، و1973، و1982.
وفي يوم القصف الأميركي على إيران - ولربما يبدو ذكر هذا خارج السياق لكنه في صلبه -، كتب السيناتور الأميركي جاي سوليفان، العضو في منظمة «إيباك» عن ولاية أركنساس، تغريدة قال فيها: «مليون عربي لا يساوون ظفر يهودي، يجب علينا إيقاف الهجوم الإيراني على إسرائيل». وإذا كان الشقّ الأول من التغريدة ليس جديداً، بل مكرور، فإنّ الثاني جاء بمفارقة لافتة؛ إذ تبيّن معه أنّ سوليفان، وما يمثّله، لم يُفرّق بين الإيرانيين والعرب.
