
في الحروب الحديثة، لم تعُد الغلبة تُحسم بعدد الطلعات الجوّية أو دقة الصواريخ فقط، بل أصبحت السماء نفسها بما تمثّله من سيطرة جوية ومنظومات دفاعية متكاملة هي نقطة الفصل في موازين القوى. وتجسّد هذا المفهوم بوضوح في المواجهة الأخيرة بين إسرائيل وإيران، إذ انقلبت المعادلة حين فقد أحد الطرفين تفوّقه الجوي، وظهرت علامات الانكشاف فوق أرضه.
وفي بداية المواجهة، بدت إسرائيل صاحبة اليد العليا؛ إذ نفّذت ضربات دقيقة في العمق الإيراني استهدفت منشآت حسّاسة ومراكز عسكرية، مستخدمةً تفوّقها التكنولوجي والمعلوماتي، بالإضافة إلى اختراقات أمنيّة داخل إيران أفضت إلى إضعاف منظومات الدفاع الجوي الإيراني، ممّا أحدث انكشافاً مبكراً للسماء الإيرانية، وأعطى انطباعاً بأنّ السماء محكومة لصالح العدوّ.
لكنّ المعادلة المُشار إليها لم تدمْ طويلاً، بعدما جاء الردّ الإيراني عبر ضربات صاروخية دقيقة ومتعدّدة الموجات، رافقتْها أسراب من الطائرات المسيّرة، استهدفت العمق الإسرائيلي بشكل غير مسبوق، ووضعت الدفاعات الجوية الإسرائيلية تحت ضغط لم تختبره من قبل. ورغم تعدّد الطبقات الدفاعية من «القبّة الحديدية»، إلى «مقلاع داوود»، وصولاً إلى «حيتس» و«ثاد» الأميركي، إلا أنّ كثافة الهجمات وتعقيدها الزمني والجغرافي كشفَا ثغرات خطيرة، وأدّيا إلى خللٍ تشغيلي واضح في كل هذه المنظومات.
ومن المفارقات التي فاجأت القيادات العسكرية الإسرائيلية أنّ التوقّعات الأولية كانت تشير إلى قدرة المنظومات على إسقاط صاروخ أو اثنين فقط من الموجات الإيرانية، غير أنّ ما حصل على الأرض كان صدمة مزدوجة: الأولى تمثّلت في تحقيق إيران إصابات دقيقة ومباشرة داخل مناطق حسّاسة وقواعد عسكرية، أمّا الثانية فكانت الإنهاك السريع وغير المتوقّع لمنظومات الدفاع الجوي نتيجة تواصل القصف وتنوّعه.
إيران لم تنتصر عسكرياً في هذه الجولة فقط، بل كشفت هشاشة المفهوم الإسرائيلي للأمن الجوي أيضاً
وبلغت الذروة في الجولة النهارية الأخيرة، والتي سُجّلت أثناء معظم ضرباتها إصاباتٌ مؤكّدة، وسط تقارير أفادت بأنّ بعض المنظومات الدفاعية لم تُفعّل أصلاً أو فشلت في اعتراض الأهداف، وهو ما شكّل إشارة الإنذار الحمراء داخل المنظومة العسكرية والسياسية الإسرائيلية. ودفع ذلك قيادة الكيان، تحت ضغط الواقع الميداني وتآكل الردع الجوي، إلى طلب وقف فوري لإطلاق النار، خصوصاً مع تزايد ضغط الجبهة الداخلية، على خلفية فشل منظومة الملاجئ في استيعاب السكان، وعجز المدن عن الاستجابة لحالات الطوارئ، وقلق واسع بين المدنيين الذين شعروا بانعدام الأمان لأول مرة منذ عقود.
ومع تزايد الضربات الدقيقة، بدأت التقارير تتوالى حول نفاد المخزون الدفاعي لدى العدوّ الإسرائيلي. وأكّدت صحيفة «وول ستريت جورنال» أنّ إسرائيل كانت «تحرق كمّيات كبيرة» من صواريخ الاعتراض (Arrow‑3 وIron Dome)، وسط صعوبات في تعويضها بالسرعة المطلوبة. وهنا، دخلت الولايات المتحدة على الخطّ بصورة مباشرة، ليس لحسم المعركة، بل لحماية السماء الإسرائيلية من السقوط الكامل؛ إذ أعلن «البنتاغون» إرسال منظومات دفاع جوي متقدّمة، من مثل «ثاد»، وبطاريات صواريخ «SM-3» و«SM-6»، على متن قطع بحرية منتشرة في المتوسط والبحر الأحمر.
وقال المتحدّث باسم البنتاغون، الجنرال بات رايدر: «هذا يعكس التزامنا الصارم بدعم الدفاع عن إسرائيل وحماية القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة»، في إشارة ضمنيّة إلى وجود نقاط ضعف واضحة في الدفاعات الجوية الإسرائيلية، ممّا استدعى تدخّلاً طارئاً وموسّعاً.
ولا شكّ في أنّ هذه التطورات فرضت على القيادة الإسرائيلية مراجعة حساباتها؛ إذ بين إرهاق منظوماتها الدفاعية، وانكشاف السماء أمام صواريخ الخصم، والتدخّل الأميركي الذي أنقذ اللحظة، جاء القرار بوقف العمليات، لأنّ كلفة الاستمرار في الحرب باتت أعلى من احتمالات كسبها. ورغم وجود عوامل أخرى أدّت دوراً في إنهاء الحرب، من الجبهة السيبرانية إلى الاقتصاد والسياسة، فإنّ السماء تبقى هي المعيار الحاسم. وعليه، فإنّ إيران لم تنتصر عسكرياً في هذه الجولة فقط، بل كشفت هشاشة المفهوم الإسرائيلي للأمن الجوي أيضاً، وأثبتتْ أنّ مَن يسيطر على السماء يفرض شروط الأرض، وأنّ مَن يربح الحرب هو مَن يكشف سماء العدوّ، ويحمي سماءه من الانكشاف.

