
في الوقت الذي تتضارب فيه التصريحات الرسمية حول نتائج الضربات الأميركية على المنشآت النووية الإيرانية، تكشف تسريبات وتقارير صحافية متزايدة، عن صورة أكثر تعقيداً مما تحاول واشنطن وتل أبيب تسويقه للرأي العام. فبينما يصرّ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على نجاح الهجوم «الدقيق والمدمّر» الذي نفّذته القوات الأميركية على منشآت نووية إيرانية، تذهب تقارير استخبارية وتسريبات إعلامية إلى التشكيك في مدى فاعلية تلك الضربات، لا بل في تحقيقها أيّ أهداف بعيدة المدى على صعيد تعطيل البرنامج النووي الإيراني.
وفي هذا السياق، أفادت شبكة «ABC News»، مثلاً، بأن مصدريْن إسرائيليَّيْن قلّلا من جدوى الضربات، معتبريْن أن ما وقع في منشأة فوردو «ليس جيداً حقاً»، ومؤكديْن أنه من السابق لأوانه الحديث عن «نجاح» الضربات. لكنّ ذلك وغيره من المصادر لم يمنعا ترامب من مواصلة الترويج لروايته عن «النجاح التامّ» للعملية؛ إذ جدّد تأكيده أن الهجوم دمّر المواقع النووية الإيرانية بالكامل، وأدّى إلى تأخير البرنامج الإيراني لما لا يقلّ عن 15 عاماً، بل إنه «أنهى الحرب» وأثبت «قوة الردع الأميركية».
وسارعت الحكومة الإسرائيلية، بدورها، إلى دعم موقف ترامب، محاولةً ترسيخ الانطباع بأن العملية حقّقت أهدافها الاستراتيجية بالكامل. وفي بيان رسمي صدر عن مكتب رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، جرى التأكيد أن الهجوم الذي نفّذته الولايات المتحدة على منشأة فوردو «دمّر البنية التحتية الحيوية»، وجعل منشأة التخصيب «غير صالحة للاستخدام»، وأن الضربات الأميركية، إلى جانب تلك التي نفّذتها إسرائيل على مكوّنات أخرى من «البرنامج النووي العسكري الإيراني»، قد «أعادت إيران سنوات إلى الوراء في قدرتها على تطوير سلاح نووي».
وفي السياق نفسه، أصدرت «لجنة الطاقة الذرية الإسرائيلية» بياناً مماثلاً أعاد التأكيد أن الضربة الأميركية على فوردو كانت «مدمّرة»، وجعلت المنشأة «غير قابلة للتشغيل». كما لفت البيان إلى أن التأثير التراكمي للضربات الأميركية والإسرائيلية قد يؤدّي إلى «تأخير قدرة إيران على تطوير أسلحة نووية لسنوات عديدة»، مشيراً إلى أن هذا «الإنجاز» قد يستمر إلى أجل غير مسمى، شريطة ألا تتمكّن إيران من الوصول إلى المواد النووية المدفونة مجدداً.
في أحسن السيناريوات، فإن البرنامج لم يُدمَّر، بل «جُمّد» عبر عزله تماماً
في المقابل، لفت مراسل «القناة 12» العبرية إلى مفارقة واضحة في صياغة بيان نتنياهو؛ إذ أشار إلى أن الحديث عن «إعادة البرنامج النووي الإيراني سنوات إلى الوراء» من دون التطرّق إلى «تدميره بالكامل»، يحمل في طيّاته تلميحاً إلى أن «المواقع النووية لم تُدمّر بشكل نهائي».
وبذلك، فإن لغة البيان – على الرغم من تأييدها المعلن – تتناقض ضمنياً مع تصريحات ترامب، لكنها تفعل ذلك «بأدب» ومن دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الرواية الأميركية، بحسب المراسل. وفي السياق نفسه، عبّر عضو «الكابينت» الإسرائيلي وزعيم «حزب شاس»، أرييه درعي، عن «عدم اليقين حيال نتائج الهجوم»، مؤكداً أنْ «لا أحد زار المنشآت بعد الضربات»، في تناقض مباشر مع ادّعاءات ترامب الذي زعم أن عملاء إسرائيليين تفقّدوا الموقع وتأكّدوا من تدميره بالكامل.
لكنّ التصريحات الأميركية والإسرائيلية، لم تكن كافية لكبح رواية الصحافي الأميركي المخضرم، سيمور هيرش، الذي قدّم وصفاً مفصّلاً لخطة الهجوم كما نُفّذت، بحسب مصادره في واشنطن وتل أبيب. ووفقاً لهيرش، لم تكن القنابل الأميركية موجّهة مباشرة نحو مخزون اليورانيوم أو أجهزة الطرد المركزي داخل فوردو، بل جرى استهداف المداخل والأنابيب الهوائية المحيطة بالموقع، ما أدّى إلى «دفن تلك الأجهزة والمخزون النووي تحت طبقات من الأنقاض». وبذلك، فإن البرنامج لم يُدمَّر، بل «جُمّد» عبر عزله تماماً، مع بقاء المواد الحيوية في أماكنها. وهذه الوقائع، وإن منعت الإيرانيين مؤقتاً من الوصول إلى اليورانيوم، فإنها «لا تضمن مستقبلاً ألّا يتمكنوا من استعادته عبر حفرٍ طويل ومعقّد»، بحسب هيرش.
وفي موازاة ذلك، سادت في أوساط الفريق الإسرائيلي المشارك في التخطيط والتنفيذ للعملية مشاعر مختلطة، بين الرضى عن الإنجاز التقني والتشكيك في جدواه الاستراتيجية على المدى الطويل. فوفقاً لما نقله هيرش، طرحت إسرائيل سؤالاً صريحاً على إدارة ترامب: «إلى أي مدى تلتزم أميركا بضمان بقاء اليورانيوم المخصّب مدفوناً؟». وهو سؤال يعكس شكوكاً عميقة في قدرة الضربة، مهما بلغت دقّتها، على تحقيق هدف «تحييد» البرنامج النووي الإيراني نهائياً.

