الحرب في الميزان الأفريقي: فرص أكبر لإيران
صمود إيران في الحرب يفتح لها نافذة نفوذ أوسع في أفريقيا، وسط ارتباك رسمي وتصدّع الهيمنة الغربية على مواقف القارّة وسياساتها الدولية.


خرج الرئيس الأوغندي، يوري موسيفني، وهو الرئيس الحالي لـ»حركة عدم الانحياز»، عن صمته في شأن الحرب الإسرائيلية - الإيرانية، معلناً، في الـ24 من حزيران، إدانته الأطراف كافة (بما فيها القوى الغربية). وإذ جاء إعلانه ردّاً على اتهامات السفير الإيراني لدى أوغندا له، بالصمت حيال الصراع، فإنه أنحى باللائمة على إيران بسبب «رفضها الاعتراف بإسرائيل»، التي دانها أيضاً على خلفية رفضها تطبيق حلّ الدولتين.
ويشي ما تقدّم باضطراب حقيقي في فهم العدوان الإسرائيلي - الأميركي على إيران، ودوافعه، كما يقدّم رواية مضلّلة للغاية لهذا الصراع، الذي كانت له تداعياته المباشرة على القارّة. وعلى الرغم من تلك التداعيات، فإنّ مواقف دول القارة لم تتّسم بالوضوح المطلوب، في ما يبدو أنه أصبح تقليداً أفريقيّاً يُعبّر عنه بمواقف «وسطية»، لجلاء مآل الأزمة.
وكانت أفريقيا من أكثر الأقاليم تضرّراً من جراء الحرب، وهو ما تجلّى جانب منه في تعطّل جزء كبير من التجارة الأفريقية المرتبطة بالإمارات، على خلفية اضطراب حركة النقل في الخليج، وتهديدات إيران بإغلاق مضيق هرمز. كما أن الصراع فتح باباً أمام احتمال تورُّط قوى من مِثل «الناتو» وروسيا والصين فيه، في كان ما من شأنه، لو حصل، أن يرخي بتداعيات أمنية وعسكرية، وحتى اقتصادية، بالغة على القارة، ولا سيما في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. ولم يكن مستبعداً، حسب خبراء أفارقة، امتداد المواجهات إلى القواعد العسكرية الأميركية في جيبوتي والصومال، وأيضاً أصول إسرائيل العسكرية في إريتريا.
تنظر دول أفريقية عدّة إلى قدرة إيران على مواجهة العدوان، كقيمة مضافة لحركة «الجنوب العالمي»
مع ذلك، كشفت الحرب عن مدى هامشية القارّة في مجمل سياسات القوى الكبرى؛ فعلى سبيل المثال، لم تولِ قمّتا «مجموعة السبع» وحلف «الناتو»، أخيراً، اهتماماً لوضع أفريقيا واحتمالات تضرّرها اقتصاديّاً وعسكريّاً من الصراع. ويضاف إلى ما تقدّم، انكشاف أغلب الدول الأفريقية، بما فيها جنوب أفريقيا، أمام الضغوط الأميركية والغربية، لتأييد موقف الغرب ضدّ إيران. ويبدو أن هذه الضغوط وجدت استجابة لدى عدد من تلك الدول في غرب القارّة وشرقها، مع ملاحظة وجود اندفاعة أميركية تجاه بعض الملفات الأفريقية، مثل الأزمة بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
إيران والانتصار المعنوي: عتبة جديدة للتأثير في أفريقيا؟
تُبرز قراءة مشهد ما بعد الحرب، وعنوانه صمود إيران وقدرتها على مناورة الولايات المتحدة سياسيّاً وعسكريّاً، أن طهران باتت تمتلك فرصة حقيقية لفرض سياسة أفريقية جديدة مستقبلاً، قوامها قدرة أكبر على تعزيز التعاون مع دول القارّة التي قد ترغب في مزيد من فكّ الارتباط مع القوى الغربية التقليدية، وخوض منافسة أكثر حدّة (ووضوحاً) مع إسرائيل على النفوذ في أفريقيا.
من جهتها، تنظر دول أفريقية عدّة، لا تُستثنى منها مصر، إلى قدرة إيران على مواجهة العدوان الإسرائيلي المدعوم رسميّاً من واشنطن، كقيمة مضافة لحركة «الجنوب العالمي»، وكتجربة «ملهمة» إلى حدّ ما في مواجهة قوى غربية لطالما أعلنت هيمنتها التامّة على النظام الدولي. كما أن الحراك الشعبي المناهض لحكومات «فاسدة» في بعض الدول أخيراً (مثل كينيا وموزمبيق)، سيوفّر متغيّراً مهمّاً لتشجيع إيران على انخراط أكبر.
وعلى سبيل المثال، فإن سقوط نظام وليام روتو، الوثيق الصلة بأبو ظبي في ملفات كثيرة مثل السودان ودبلوماسية الموانئ الإماراتية في القارة، قد يمثّل فرصة ممتازة للتراجع عن اتفاقات اقتصادية وتفاهمات سياسية مع الإمارات لمصلحة علاقات ثنائية أكثر ندّية مع دول أخرى، من بينها إيران. ويمثّل ذلك إشارة مهمّة إلى وجود مقدّرات حقيقية لبدء طهران دبلوماسية أفريقية جديدة، سواء بشكل ثنائي أو عبر أطراف ثالثة، أبرزها الصين وروسيا وعدد من الدول الأفريقية.
وإذ لا يَظهر أن مسار الحرب قد حُسم حتى اللحظة، تبدو خيارات أفريقيا محصورة تقريباً بين: مواصلة التبعية للسياسات الأميركية القائمة على التقليل من شأن قيم السيادة والاستقلال واحترام إرادة شعوب هذه الدول في مقابل الحفاظ على مكتسبات الأنظمة الحاكمة فيها؛ وإيثار انتهاج مسار مستقلّ «ووطني» في تبنّي مواقف مبدئية في السياسة الدولية، ربّما تتوفّر لها فرص نجاح في حال تعميق «الجنوب العالمي» دعمه لإيران في مقاومتها للهجمة الأميركية؛ وهو ما سيمثّل رافعة مهمّة لعدد من الدول الأفريقية للسير بسياسات أكثر استقلالية.
