حملة الترهيب الأميركية تتجدّد: قضاة «الجنائية الدولية» مكتَّفون
تجدّد واشنطن ضغوطها على «الجنائية الدولية» لمنع ملاحقة قادة العدو، عبر الترهيب والعقوبات، ما يكشف «هشاشة» استقلال المحكمة أمام الهيمنة الأميركية.


تتجدّد الضغوط الأميركية على «المحكمة الجنائية الدولية»، وهي المحكمة الدائمة الوحيدة لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في العالم، وذلك بعدما بلغت ذروتها مع إصدار الدائرة التمهيدية التابعة للمحكمة مذكرات توقيف بحق رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، ووزير الحرب السابق يوآف غالانت، في تشرين الثاني 2024، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وأسفرَ هذا التصعيد المتجدّد في حملة الضغوط، التي تقودها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عن استقالة المحقّق البريطاني أندرو كايلي، المشرف على ملفّات جرائم الحرب في مكتب الادّعاء، من منصبه، بعدما طالته تهديدات وصلت إلى حدّ التهديد الشخصي والجسدي، علماً أنّ مهامه شملت التحقيق أيضاً في جرائم مزعومة ارتكبها فلسطينيون يوم 7 تشرين الثاني 2023.
وتأتي استقالة كايلي بعد شهر ونصف الشهر فقط من تنحّي المدعي العام الدولي، البريطاني كريم خان، من منصبه، عقب توجيه اتهامات له بالتحرّش الجنسي بإحدى المحاميات في مكتبه. ويخضع خان حالياً إلى تحقيق داخلي في شأن هذه الاتهامات التي بدأت تنتشر بعد أيام قليلة من اكتمال تكوين الملف القضائي الذي وثّق بالأدلة الأولية ارتكاب العدو الإسرائيلي جريمة التجويع في قطاع غزة، والتي تُصنّف كجريمة ضد الإنسانية وجريمة حرب بموجب القانون الجنائي الدولي.
وكشف كايلي، الذي عُيّن في آذار 2024 لقيادة التحقيق الذي تجريه «الجنائية الدولية» في جرائم الحرب المرتكبة في الأراضي الفلسطينية، في تصريحات إلى صحيفة «أوبزيرفر» البريطانية، أنه عاش معاناة شخصية من جرّاء التهديدات التي تعرّض لها، قائلاً: «كانت تلك أسوأ أشهر في حياتي». وشرح أنّ القضية القانونية «لن تكون سهلة»، خصوصاً أنّ إسرائيل غير موقّعة على نظام المحكمة ولا تقبل اختصاصها القضائي، وسياسيّوها يُظهرون عداءً صريحاً تجاهها، في حين أنّ فلسطين عضو موقّع على «إعلان روما»، وبالتالي فإنّ المحكمة تتمتّع باختصاص قضائي على الجرائم التي تُرتكب في غزة، باعتبارها جزءاً من دولة فلسطين بحسب القانون الدولي.
ما هي التهديدات التي تلقّاها كايلي؟
قال كايلي للصحيفة البريطانية إنّ الضغوط التي تعرّض لها «كانت هائلة خصوصاً عندما اتّضح أنّ المدعي العام، كريم خان، ينوي المضي قدماً في طلبه إصدار مذكرة توقيف بحق بنيامين نتنياهو». وأشار كايلي إلى الاجتماع الافتراضي الذي عقدته مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي، مع القضاة والمحامين في «الجنائية الدولية» لمناقشة قضية فلسطين في أيار 2024، كاشفاً أنّ الاجتماع تخلّلته تهديدات من بعض السياسيين الأميركيين، بالردّ على المحكمة إذا مضت قدماً في إصدار مذكرات التوقيف بحقّ نتنياهو وغالانت.
وبحسب كايلي، فإنّ السناتور الأميركي، ليندسي غراهام، «كان يصرخ» على القضاة والمحامين أثناء الاجتماع، لا بل إنه كان يهدّدهم بالعقوبات وبإغلاق المحكمة، بحسب شهادات موظفين آخرين.
صرخ السناتور الأميركي ليندسي غراهام، على القضاة والمحامين، مهدّداً إيّاهم بفرض العقوبات وإغلاق المحكمة
أيضاً، تلقّى كايلي مكالمات هاتفية مجهولة المصدر، تضمّنت تهديدات مباشرة له، مفادها: «أنت في وضع خطير للغاية»، وذلك منذ إعلان خان، عبر قناة «سي إن إن» الأميركية، أنه طلب من الدائرة التمهيدية في المحكمة إصدار مذكرات اعتقال بحق القادة الإسرائيليين. كما حضرت الشرطة وأجهزة الأمن الهولندية إلى مقر المحكمة في لاهاي لتحذير كايلي من أنه في «خطر جسيم». وبحسب تعبيره، فقد «قالوا لي إنهم بحاجة إلى معاينة شقتي، وإن عليّ وضع أجهزة إنذار على جميع النوافذ وتركيب قضبان على المناور. كما نصحوني بتغيير باب الشقة ليكون مضاداً للرصاص. كان الأمر مُخيفاً للغاية».
أما التهديد الأخطر فكان بفرض عقوبات أميركية عليه شخصياً، بما يشمل تجميد أمواله وحساباته المصرفية ومنعه من السفر إلى الولايات المتحدة، الأمر الذي ولّد مأزقاً مضاعفاً لكايلي الذي تقيم طليقته الأميركية وأطفاله الأربعة في الولايات المتحدة، في وقت من المرجّح أن يؤثّر ذلك أيضاً على قدرته على العمل في المملكة المتحدة. وفي هذا السياق، قال كايلي إنّ «معظم البنوك تُبالغ في الامتثال للأميركيين وكانت ستُجمّد جميع حساباتي»، شارحاً كيف بدأت صحّته تتدهور مع تصاعد هذه التهديدات، وهو ما دفعه في نهاية المطاف إلى اتّخاذ قرار الاستقالة.
على أنّ التهديدات الأميركية لم تتوقّف عند كايلي؛ إذ طالت العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب، في الأسابيع الأولى من ولايته، أربعة قضاة إضافيين في المحكمة. وبحسب كايلي، فإنّ ذلك يُسبب «ضغطاً نفسياً» على العاملين في «المحكمة الجنائية»، وإنّ هؤلاء يعيشون «في وضع هشّ»، ويعاني كثير منهم من آثار التهديد. ويضيف: «أعلم أنّ عدداً كبيراً منهم في إجازة مرضية من المحكمة بسبب القلق السائد».
وفيما تواصل واشنطن تلويحها بعقوبات جديدة، في حال أقدمت المحكمة على إصدار أوامر اعتقال إضافية بحق مسؤولين إسرائيليين، لا يُستبعد أن تشمل تلك العقوبات المحكمة كمؤسسة، ممّا قد يُجمّد جميع العقود مع الشركات الأميركية، بما في ذلك البرامج التي تُقدّمها شركة «مايكروسوفت» والتي تُخزّن قاعدة بيانات أدلّة المحكمة.
