
رغم المزاعم التي أطلقها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قبل أيام، عن إمكانية استئناف المحادثات الدبلوماسية مع إيران في أقرب وقت هذا الأسبوع، لا تبدو الجمهورية الإسلامية، الخارجة من عدوان إسرائيلي - أميركي دامٍ استهدف بنيتها التحتية ومنشآتها ومراكز الأبحاث والمدنيين فيها على حدّ سواء، في وارد التّهافت على مسارات دبلوماسية مفرّغة من الضمانات، وفق ما تهيّأ لترامب أو لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو. إذ توالت التصريحات الإيرانية، بوضوح لا لبسَ فيه، عن أنّ مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار لن تكون عودةً إلى ما قبلها، ولا استئنافاً تقليدياً للمفاوضات النووية غير المباشرة مع الولايات المتحدة، من دون تعهّدات بعدم تكرار العدوان.
وفي أول مؤتمر صحافي لها منذ انتهاء عدوان الـ12 يوماً، أوضحت المتحدّثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، أمس، أنه «ليس هناك موعد محدّد حتّى الآن لإجراء محادثات غير مباشرة مع واشنطن»، لافتة إلى أنّ «النقاشات ليست وشيكة في الوقت الراهن»، ومؤكّدة أنّ الحكومة الإيرانية «لن تتراجع عن مواقفها الثابتة، لا تحت الضغط ولا تحت التهديد». وإذ أعلنت الحكومة بدء تقييم شامل للأضرار، أكّدت مهاجراني أنه تمّ اتخاذ الخطوات الأولى لإعادة بناء المنازل والمرافق، فيما رُسِمت «خطة أولية» لإحياء المنشآت العلمية والصحية، وفق جدول زمني «معقول».
وأعلنت أنّ عدد الشهداء الذين ارتقوا حتى الآن جرّاء العدوان الإسرائيلي بلغ 935 شهيداً، بينهم 140 امرأة وطفلاً، فيما بلغ عدد الجرحى الذين وصلوا إلى المراكز الطبّية 5646 جريحاً. وأشارت إلى أنّ «العدو قد ظنّ أنه يستطيع إخراج الشعب إلى الشوارع عبر ضرب القادة العسكريين وقوات الأمن في البلاد وتحقيق أغراضه بإثارة الفوضى، لكن هذا كان وهماً زائفاً، لأنهم لم يعرفوا الإيرانيين جيداً»، مضيفة أنّ «الشعب الإيراني لم ولن يسمح لعدو أجنبي بالقيام بأي عمل في إیران لتعطيل شؤون البلاد».
حذّرت طهران من أنه في حال وقوع هجوم جديد، «ستُستخدم الكثير من الإمكانيات للردّ»
أمّا وزير الخارجية، عباس عراقجي، فحدّد شروط الجمهورية الإسلامية للعودة إلى المفاوضات، مشكّكاً في إمكانية استئناف هذه الأخيرة على نحو سريع. وقال عراقجي، في مقابلة مع شبكة «سي بي إس نيوز» الأميركية: «لا أعتقد أنّ المفاوضات ستُستأنف بهذه السرعة»، مضيفاً أنّ العودة إلى طاولة التفاوض تقتضي «أولاً ضمان عدم عودة واشنطن إلى استهدافنا بهجوم عسكري أثناء المفاوضات». وشدّد على أنّ «هذه الاعتبارات تجعلنا نحتاج إلى مزيد من الوقت»، مستدركاً بأنّ «أبواب الدبلوماسية لن تُغلق أبداً»، في ما يعكس ثبات المقاربة الإيرانية لما بعد المواجهة، والموازنة بين إعادة الإعمار والانفتاح الدبلوماسي، وبين تثبيت الردع ومنع تكرار العدوان.
وتعليقاً على التصريحات المتضاربة عن مدى تأثير الضربات الأميركية في المنشآت النووية الإيرانية، ومن بينها حديث المدير العام لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذريّة»، رافاييل غروسي، عن أنّ تلك الضربات تسبّبت في «أضرار جسيمة، لكنها ليست أضراراً كاملة»، وترجيحه أن تبدأ إيران في تخصيب اليورانيوم مرة أخرى في غضون بضعة أشهر، قال عراقجي إنه «لا يمكن للمرء أن يمحو تكنولوجيا وعلم التخصيب عبر التفجيرات (القصف)». وأضاف أنه «إذا توفّرت هذه الإرادة من جانبنا، من أجل إحراز تقدّم مرة أخرى في هذه الصناعة، سنكون قادرين على إصلاح الأضرار على وجه السرعة وتعويض الوقت الضائع».
وردّاً على سؤال حول ما إذا كانت إيران تعتزم مواصلة تخصيب اليورانيوم، قال عراقجي إنّ «البرنامج النووي السلمي في البلاد تحوّل إلى مسألة فخر ومجد وطني. لقد مررنا بـ12 يوماً من الحرب المفروضة أيضاً، وبالتالي لن يتراجع الشعب بسهولة عن التخصيب». وشدّد عراقجي على أنّ إيران لا تسعى إلى التصعيد، لكنها لن تتنازل عن حقوقها تحت أي ظرف.
وفي ظل الترقّب الإقليمي لاحتمال انهيار وقف إطلاق النار، رفعت إيران من سقف تحذيراتها، مؤكّدة أنّ الردّ على أي عدوان جديد سيكون «بكثير من الإمكانيات» وبأسلحة «قادرة على السحق». وحذّر مستشار القائد العام للحرس الثوري الإيراني، العميد أحمد وحيدي، من أنه «في حال وقوع هجوم جديد من العدو، ستُستخدم الكثير من الإمكانيات للردّ». وأضاف، في مقابلة مع وكالة «الدفاع»، إنّ «القوة الصاروخية الإيرانية في حالة ممتازة للردّ على العدو الصهيوني (...) لقد هيّأت قواتنا استعدادات واسعة للردّ على العدو الصهيوني، وهي قادرة على سحقه».
وردّاً على سؤال حول ما إذا كان سيتمّ إطلاق صاروخ «قاسم بصير» - الذي سجّل دخوله القتالي الأول في سماء تل أبيب -، للردّ على أي عدوان جديد، أشار وحيدي إلى أنّ الجمهورية الإسلامية أعدّت «الكثير من الإمكانيات للردّ، والتي سيتمّ استخدامها في حال وقوع عدوان»، من دون تأكيد ما إذا كان الصاروخ المشار إليه سيشكّل جزءاً من الردّ. وحول مدى التزام واشنطن باستمرار وقف إطلاق النار، قال وحيدي: «لم نرَ من أميركا شيئاً سوى العدوان والخيانة ونقض العهد».

