تأييد داخلي لـ«الغموض النووي»: إيران لا تنتظر اتفاقاً
تثبّت إيران معادلة الردع النووي عبر تعليق التعاون مع «الذرية»، وتواجه الاصطفاف الغربي الإسرائيلي بسياسة الهجوم السياسي والدفاع السيادي.


طهران | بعد تعليق إيران رسميّاً تعاونها مع «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، ومصادقة الرئيس مسعود بزشكيان، أول أمس، على قانون أقرّه البرلمان في هذا الخصوص - وهي الخطوة التي وصفتها الأمم المتحدة والدول الغربية بأنها «مثيرة للقلق» و»غير مقبولة» -، أكّدت طهران أنها لا تزال ملتزمة بـ»معاهدة منع الانتشار النووي»، وأن تعليق تعاونها مع الوكالة، جاء ردّاً على «النهج غير البنّاء» للأخيرة، والهجمات الأميركية والإسرائيلية على منشآتها النووية.
وكتب وزير الخارجية الإیراني، عباس عراقجي، في منشور عبر منصّة «إكس»: «تبقى إيران ملتزمة بمعاهدة حظر الانتشار النووي واتفاق الضمانات»، منتقداً «خبث» ألمانيا التي اعتبرت أن تعليق طهران تعاونها مع الوكالة، يرسل «إشارة كارثية».
وأشار عراقجي إلى أن برلين أيّدت «بكل وقاحة» عدوان الولايات المتحدة غير القانوني على المنشآت النووية الإيرانية السلمية، والذي يمثّل انتهاكاً للقانون الدولي و»معاهدة حظر الانتشار النووي» وميثاق الأمم المتحدة.
وعن تعليق التعاون مع «الذرية»، ذكر عراقجي أن هذه الخطوة جاءت لأسباب «بديهية وأمنية، وأن التعامل مع الوكالة تَحدّد عبر المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.
وفي ظلّ تقارير إعلامية إسرائيلية أفادت باحتمال أن يطلب رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خلال زیارته المرتقبة إلی واشنطن، ضوءاً أخضر لشنّ هجوم على إيران إذا لزم الأمر، أكّد القائد العام للجيش الإيراني، اللواء أمير حاتمي، أمس، أن «الجيش سيتصدّى بكلّ قوة لأيّ اعتداء، وسيدافع عن سيادة البلاد».
وخلال زيارته لعوائل شهداء الجيش الإيراني، أضاف حاتمي أنّ «الدفاع الجوي الإيراني تصدّى بقوّة للعدوان الإسرائيلي على البلاد، وخرج من هذه المواجهة مرفوع الرأس».
وفي السياق ذاته، كان الناطق باسم «الحرس الثوري»، العميد علي محمد نائيني، أكّد أن بلاده «ستردّ ردّاً مدمّراً ومختلفاً عمّا مضى، في حال واجهت أيّ تهديد».
وأفردت الصحف الإيرانية، من جهتها، مساحات لآخر المستجدات المتعلّقة بالملف النووي، ومستقبل المواجهة بين إيران وإسرائيل، والمحادثات بين طهران وواشنطن؛ إذ أشارت صحيفة «إيران» الحكومية إلى تعميم الرئيس الإيراني القانون الأخير الذي تبنّاه البرلمان بتعليق العلاقات مع «الوكالة الدولية»، واعتبرته «ردّاً على الألاعيب السياسية للوكالة».
وكتبت: «نشر المدير العام للوكالة الدولية، رافايل غروسي، تقريره المنحاز (في اجتماع الوكالة في حزيران/ يونيو) ممهّداً بذلك الطريق لاندلاع أزمة أمنية، ولم يشكّل أداة قانونية للترويكا الأوروبية وأميركا (للتصديق على قرار ضدّ إيران)، بل أعطى بطريقة ما الضوء الأخضر لشنّ العدوان العسكري على المنشآت النووية الإيرانية».
وأضافت الصحيفة: «والآن، حيث عُمِّم قانون إلزام الحكومة بتعليق التعاون مع الوكالة الدولية رسميّاً، فإن الكرة باتت في ملعب الوكالة وحلفائها الغربيين. رسالة طهران واضحة: إمّا أن تعودوا إلى مسار الحياد والاحترام المتبادل، وإمّا أن ينتهي التعاون الطوعي الذي كان سارياً لسنوات بما يفوق الالتزامات الواردة في اتفاقات الضمانات».
تحدّثت تقارير عن احتمال أن يطلب نتنياهو من ترامب ضوءاً أخضر لشنّ هجوم على إيران إذا لزم الأمر
وانتقدت صحيفة «أرمان ملي»، في مقال لحميد شجاعي، توجّه الوكالة، التي «خضعت على مدى السنوات، وحتى العقود الأخيرة، لتأثير أميركا والأوروبيين والكيان الصهيوني، ولم تتمكّن من اعتماد توجّه مستقلّ إزاء سائر الدول. وتبعاً لهذا التوجه، اتّخذ المدراء العامون للوكالة في الحقب والفترات الزمنية المختلفة، توجّهاً مضاداً لإيران.
وعلى الرغم من أنهم اعتبروا، في الظاهر، الأنشطة النووية الإيرانية، سلمية؛ لكنهم في الباطن، وتأثّراً بالغربيين، أغمضوا أعينهم على الحقائق وتصرّفوا كما كان يُطلب منهم».
أما صحيفة «القدس»، فتحدّثت في مقال لمحمد وليان بور، عن هشاشة وقف إطلاق النار الأخير بين إيران وإسرائيل، وضرورة التأهّب لمواجهة الإجراءات الإسرائيلية المباغتة.
وقالت: «إن وقف إطلاق النار يُقبل من قبل أيّ من الطرفين عادةً بهدف التقاط الأنفاس وتعزيز الأنظمة الدفاعية والهجومية. لكنّ الفائز في هذه المعركة الصامتة، هو مَن يمتلك إمكانية إعادة التأهيل وتوصيل الإمدادات بشكل أكبر.
ولا يجب تجاهل أن دعم أميركا والناتو الشامل لإسرائيل والتعزيز السريع للمنظومات الدفاعية والهجومية لهذا الكيان، والذي ظهر في كثافة الرحلات الجوية العسكرية الغربية إلى تل أبيب، بحاجة إلى تدبير بالمستوى نفسه واتّخاذ الاستعدادات اللازمة لمواجهته».
وتطرّقت صحيفة «اعتماد»، بدورها، في مقال للكاتب المختصّ في شؤون الأمن الدولي، عارف دهقاندار، إلى أهداف إسرائيل والغرب التالية تجاه إيران، معتبرةً أنه «بعد وقف إطلاق النار الهشّ بين إيران وإسرائيل، يبدو أنّنا سنشهد على الأرجح إجراءات هجومية أخرى من جانب الكيان الصهيوني مدعوماً من أميركا ضدّ المصالح الإيرانية. إن التصريحات الأخيرة للمسؤولين الإسرائيليين والإشارات التي يصدرها جيش هذا الكيان في شأن إنهاء العملية البرية في غزة، تظهر أنهم ينوون على الأرجح حصر قدراتهم العسكرية لمواجهة إيران.
ويبدو أن الهدف النهائي لإسرائيل والغرب، ليس تقييد القدرات النووية والصاروخية الإيرانية فحسب، بل إثارة الفوضى وزعزعة الاستقرار وفي النهاية، تقسيم إيران». وتابعت: «القوى الغربية، وخاصة الكيان الصهيوني، كانت قد وضعت منذ فترة طويلة، خططاً طويلة الأمد لتقويض إيران.
إن هذه الخطط، التي يمكن تتبّعها أيضاً في الوثائق الاستراتيجية وتحليلات مراكز البحوث والدراسات الغربية، صُمّمت ووُضعت بهدف زعزعة الاستقرار الداخلي وتفكيك التماسك الوطني، وفي النهاية تقسيم إيران إلى مناطق أصغر وأضعف.
إن الاستراتيجية الرئيسية لهذه القوى، تتمثّل في إثارة النعرات العرقية والطائفية والسياسية داخل إيران، بهدف إضعاف الحكومة المركزية والتمهيد تباعاً لانهيار هيكليات نظام الحكم».
وألقت صحيفة «شرق»، من جانبها، في مقال لخبير الشؤون السياسية والاقتصادية، سعيد ليلاز، نظرة متشائمة على المفاوضات بين إيران وأميركا، إذ اعتبرت أنه «حتى وإنْ عقدنا مصالحة مع أميركا، فمن المرجّح أن يزداد خطر الهجوم العسكري على إيران، لأن الخلافات بين البلدين، جيوسياسية؛ لا سياسية أو اقتصادية بحتة. لذلك، فإن المصالحة الاستراتيجية بين البلدَين، تبدو بعيدة المنال.
وقد يتم التوصّل إلى اتفاق مؤقت، على أن تقوم إيران، على سبيل المثال، بتقليص إنتاج أجهزة الطرد المركزي، وتقبل بمزيد من عمليات التفتيش والمراقبة، وتعطي جزءاً من اليورانيوم، وتحصل في المقابل على تنازلات محدودة. لكنّ المشروع الأميركي، يتمثّل في تحويل إيران إلى ليبيا. إنهم لا يرضون حتى بإيران مستقلّة غير نووية، لأن موقعنا الجيوسياسي يختلف عن فيتنام. لا نحن نثق بهم ولا هم يثقون بنا».
