ترامب يمرّر قانونه «الجميل»: كابوس الطبقة العاملة
يمرّر ترامب قانوناً يكرّس الانحياز للأثرياء على حساب الفقراء، ويقايض الرعاية الصحية والوظائف بسياسات تقشّفية وحروب جمركية غير مضمونة.


أُحيل مشروع القانون «الكبير والجميل»، وفق ما ارتأى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تسميته، إلى مكتب الأخير أمس، بعد تمريره في مجلس النواب بفارق ضئيل – 218 مقابل 214 صوتاً -، عقب انضمام مشرّعَيْن جمهوريَّيْن اثنين إلى الديمقراطيين الذين يعارضونه.
وفي محاولة لتأخير التصويت يوم الخميس، تحدّث زعيم الأقلية، الديمقراطي، حكيم جيفريز، لمدة ثماني ساعات و44 دقيقة، محطّماً الرقم القياسي لأطول خطاب في مجلس النواب، ليشجب التخفيضات التي ستطاول برامج الضمان الصحي، واصفاً مجلس النواب بـ«مسرح الجريمة».
ويُعدّ تمرير القانون انتصاراً كبيراً لرئيس مجلس النواب الجمهوري، مايك جونسون، الذي تمكّن من الضغط على عشرات الأعضاء الذين هدّدوا في البداية بالتصويت بـ«لا»، فيما يظهر أيضاً أن ترامب لا يزال يُحكم قبضته على الجمهوريين في مجلس الشيوخ تحديداً.
ماذا في القانون؟
يمدّد مشروع القانون الجديد التخفيضات الضريبية التي طبّقها الرئيس الحالي في ولايته الأولى، وهو يخصّص مليارات الدولارات للدفاع وإنفاذ قوانين الهجرة، مقابل تخفيض التمويل لبرامج الرعاية الصحية والمساعدات الغذائية ومشاريع الطاقة النظيفة؛ إذ يلغي المشروع الإعفاءات الضريبية للسيارات الكهربائية ومشاريع المناخ التي تمّ سنّها في عام 2022 في عهد الرئيس السابق جو بايدن، ويضيف تخفيضاً ضريبياً جديداً على فوائد قروض السيارات للسيارات المصنّعة في الولايات المتحدة. كما يشمل تخفيضات بأكثر من تريليون دولار من الإنفاق الفيدرالي على برامج شبكات الأمان وائتمانات الطاقة النظيفة.
في المقابل، ستواجه الجامعات الخاصة التي لديها أوقاف كبيرة لكل طالب، مثل «جامعة هارفارد»، ضريبة بنسبة 8% على صافي دخل الاستثمار، ارتفاعاً من 1.4%. كما يضيف مشروع القانون متطلّبات عمل جديدة للمستفيدين من برنامج «Medicaid»، وهو برنامج التأمين الصحي للأشخاص ذوي الدخل المنخفض، ويحد من قدرة الولايات على فرض الضرائب على مقدّمي الرعاية الصحية للمساعدة في تمويل البرنامج.
وتعقيباً على ذلك، قدّر «مكتب الميزانية» في الكونغرس (CBO)، الذي يقدّم تحليلاً غير حزبي للسياسة المالية الأميركية، أن 11.8 مليون أميركي قد يفقدون تأمينهم الصحي بحلول عام 2034، على خلفية التعديلات المشار إليها. وحذّر «المكتب»، كذلك، من أنّ مشروع القانون من شأنه أن يضيف نحو 3.3 تريليون دولار إلى الدَّين الوطني على مدى السنوات العشر المقبلة.
على أنّ البيت الأبيض يرفض، من جهته، هذه التحليلات، ويجادل في أنّه من شأن مثل تلك الإجراءات أن تخفّض العجز بما يزيد على خمسة تريليونات دولار عندما تقترن بـ«جهود نمو أخرى». ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن مذكّرة صادرة عن البيت الأبيض أنّ التعديلات الأخيرة «من شأنها خفض العجز الفيدرالي بما يصل إلى 6.9 تريليون دولار على مدى عشر سنوات».
وتصف المذكّرة توقعات مكتب الميزانية بـ«المضلّلة»، لأنها «تفترض بشكل غير واقعي من الناحية السياسية انتهاء التخفيضات الضريبية التي أقرّها ترامب في عام 2017». كما تزعم المذكّرة أن «مشروع قانون الضرائب الجديد سيساعد، بحدّ ذاته، على خفض العجز المتوقّع بما يزيد على 1.4 تريليون دولار على مدى العقد المقبل»، مشيرةً إلى أنّ ذلك «يرجع جزئياً إلى أنّه يحفّز المزيد من النمو».
على أنّه طبقاً للصحيفة الأميركية، يشكّك خبراء الميزانية من اليسار والوسط واليمين، وكذلك في «وول ستريت»، بشدة في هذه الادّعاءات. ويردف التقرير: «بدأت فترة ولاية ترامب الثانية بتعهّد الملياردير إيلون ماسك في الإدارة بخفض الدين الفيدرالي من خلال خفض الإنفاق الحكومي بأكثر من تريليون دولار، بعد الزيادات الكبيرة في الدين خلال إدارة بايدن.
لكنّ هذه الجهود باءت بالفشل مع مغادرة ماسك للإدارة، ومن المتوقّع أن تضيف التخفيضات الضريبية الثانية التي أقرّها ترامب أكثر من 4 تريليون دولار إلى الدين الوطني، بمجرد الأخذ في الاعتبار تكاليف الفائدة وتمديدات السياسات المحتملة». يُشار إلى أنّ الدين الوطني كحصة من الاقتصاد بلغ، العام الماضي، أعلى ممّا كان عليه في أي وقت ما بعد الحرب العالمية الثانية، بما في ذلك في أعقاب الأزمة المالية عام 2008، وجائحة «كوفيد».
سياسة «روبن هود» العكسية
من جهتها، أشارت صحيفة «ذي غارديان» البريطانية، في تقرير، إلى أنّه في تشرين الثاني الماضي، قطع ترامب عهداً رسمياً لجميع الأميركيين، قائلاً: «لكل مواطن، سأقاتل من أجلك ومن أجل عائلتك ومستقبلك كل يوم»، مضيفة أنّه بعد ثمانية أشهر، يدعم ترامب بقوة العديد من السياسات التي من شأنها أن تسبّب الألم لملايين الأشخاص.
وجادلت الصحيفة في أنّ ترامب دفع نحو سنّ مشروع قانون من شأنه أن يؤدّي إلى تخفيضات كبيرة في الرعاية الطبية، وقانون الرعاية الصحية الأميركي، والمساعدات الغذائية، من شأنها أن تلحق الضرر الأكبر بهؤلاء الأميركيين الذين يكافحون بشدة من أجل تلبية احتياجاتهم، والذين يشكّلون 30% من سكان الولايات المتحدة، ممّن يعيشون في أسر يقلّ دخلها عن 50 ألف دولار سنوياً.
الـ10% من الأميركيين الأقل دخلاً هم الأكثر تضرّراً من مشروع القانون
وفي حين يعمل ترامب والمشرّعون الجمهوريون على خفض أكثر من 1.4 تريليون دولار من المساعدات الصحية والغذائية للأميركيين غير الأثرياء، فهو يواصل الضغط على الكونغرس لتمديد أكثر من 3 تريليون دولار من التخفيضات الضريبية التي تساعد الأثرياء والشركات بشكل غير متناسب. وبذلك، يكون ترامب قد تبنّى «سياسات روبن هود العكسية»، على الرغم من أن الناخبين الذين يكسبون أقل من 50 ألف دولار سنوياً هم من أوصلوه إلى سدّة الرئاسة، وفضّلوه على منافسته كامالا هاريس.
وتنقل الصحيفة عن العديد من خبراء السياسة الاجتماعية اتهامهم ترامب بـ«ممارسة النفاق والخيانة» إزاء الأميركيين من الطبقة العاملة والعمال الذين وعد بالقتال من أجلهم. وفي حديثها مع الصحيفة، تتساءل شارون باروت، رئيسة «مركز الميزانية وأولويات السياسة»: «من الذي سيتضرر، ومن يتحمّل التكلفة؟ إنهم الأشخاص ذوو الدخل المنخفض والمتوسط، الأشخاص الذين وعد الرئيس والعديد من صنّاع السياسات الجمهوريين بخدمتهم ودعمهم في الانتخابات الأخيرة».
وبالعودة إلى «مكتب الميزانية» في الكونغرس، يؤكّد الأخير أنّ الـ10% من الأميركيين الأقل دخلاً سيكونون الأكثر تأثّراً بمشروع القانون؛ إذ إنّ هذا الأخير سيتسبب، في المتوسط، بخفض قدره 1600 دولار في الدخل، وهو انخفاض بنسبة 3.9%. في الوقت نفسه، فإن مشروع القانون الذي يدعمه ترامب سيكون بمثابة نعمة للأسر الثرية، بالنظر إلى أنه سيؤدّي إلى زيادة قدرها 12 ألف دولار في متوسط صافي الدخل للأسر الأعلى دخلاً. وفي ضربة أخرى للعمال الأميركيين، من شأن مشروع القانون أن يلغي الكثير من جهود جو بايدن لتسريع إنشاء صناعات الطاقة النظيفة، ما قد يعرّض مئات الآلاف من الوظائف المحتملة للخطر، والعديد منها داخل المصانع.
وعلى الرغم من ذلك، وخلال حثّه، الأسبوع الماضي، المشرّعين على إقرار مشروع القانون، قال ترامب إنّ الأخير يتضمّن «المئات من الأشياء وهو جيد جداً»، زاعماً أنّ «تخفيضات المساعدات الطبية والغذائية التي تزيد عن تريليون دولار لن تضر أحداً». كما وصف ترامب تلك التقديمات بـ«الاحتيال والهدر وسوء الاستخدام».
تعويض عبر الحروب التجارية؟
وفي حين يحاول ترامب «ابتزاز» الدول في جميع أنحاء العالم لانتزاع تنازلات تجارية منها، كسبيل، على الأرجح، لتعويض الخسائر الناجمة عن مشاريع قوانين مماثلة، فإنّ العديد من المراقبين يحذّرون من أنّ الاستراتيجية المُشار إليها غير مضمونة إلى حدّ بعيد. وكان مستشار البيت الأبيض للتجارة، بيتر نافارو، قد أشار إلى أن الرسوم الجمركية ستولّد ما بين 6 و7 تريليونات دولار على مدى عشر سنوات، فيما أكّد وزير الخزانة، سكوت بيسنت، أن الرسوم الجمركية قد تجلب ما بين 300 مليار دولار و600 مليار دولار سنوياً.
على أنّه طبقاً لما ذكرته وكالة «بلومبرغ»، فإن الجهود التي تبذلها إدارة ترامب للتفاوض على صفقات تجارية مع دول محدّدة، تخلق الكثير من عدم اليقين حول مقدار الإيرادات التي ستولّدها الرسوم فعلياً؛ إذ يتوقّع معظم الاقتصاديين أن هذه الأخيرة ستنتج أقل بكثير من الإيرادات المفقودة على مدى عقد من الزمن، والتي سيتسبب بها مشروع قانون الضرائب والإنفاق. كما يتوقّع هؤلاء أن يعارض المستهلكون ارتفاع الأسعار وأن تنخفض الواردات، ما سيؤدي إلى تحصيل الولايات المتحدة إيرادات أقل من التعرفات الجمركية.
وفي حين قدّر «مكتب الميزانية» في الكونغرس أن الرسوم المفروضة، بدءاً من الـ13 أيار، من شأنها أن تقلّل عجز الميزانية بمقدار 2.8 تريليون دولار حتى عام 2035، فإنّ تقديرات أحدث صادرة عن مؤسسة الضرائب غير الحزبية تفيد بأن الرقم يبلغ نحو 1.4 تريليون دولار من الإيرادات على مدى عقد من الزمان. ويتوقّع «مختبر الميزانية» في جامعة ييل، من جهته، تحقيق تريليونَي دولار على مدى عقد من الزمن.
وتأخذ هذه التقديرات في الاعتبار ردود الفعل الانتقامية من جانب بلدان أخرى وتأثير ارتفاع الأسعار على المستهلكين، إنّما من دون النظر في استغلال ترامب للرسوم الجمركية لـ«انتزاع تنازلات من شركائه التجاريين»، بحسب «بلومبرغ».
