
لندن | كشف تحقيق نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» اللندنية، السبت الماضي، تورُّط «مجموعة بوسطن للاستشارات» (BCG) في إدارة العدوان على غزة، بصورة أوسع بكثير ممّا أقرّت به الشركة الأميركية سابقاً. وكانت المجموعة ادّعت أنها شاركت بالفعل في تصميم مشروع «للمساعدة في إنشاء منظّمة مساعدات تهدف إلى العمل جنباً إلى جنب مع جهود الإغاثة الأخرى»، وهو المشروع الذي نفّذته منظمة مشبوهة مرتبطة بالاستخبارات الأميركية، وأدّى حتى موعد نشر التحقيق، إلى سقوط أكثر من 740 شهيداً، ومئات الجرحى من المدنيين الفلسطينيين، من منتظرِي المساعدات.
ويُظهر تحقيق «فايننشال تايمز» أنّ مشاركة الشركة في هذا المشروع، الذي أطلق عليه «أورورا»، استمرّت سبعة أشهر، بين تشرين الأول 2024 وأيار 2025، وبلغت قيمة أتعابها أكثر من أربعة ملايين دولار، وانخرط فيها 12موظّفاً، بعد مناقشات مع عدد من الموظفين الكبار، بمن فيهم مدير إدارة المخاطر في الشركة ورئيس ممارستها في التأثير الاجتماعي.
والأهمّ من ذلك، أنّ فريق المجموعة قام ببناء نماذج لإعادة إعمار غزة بعد الحرب، تضمّنت تقديرات التكلفة لإعادة توطين مئات الآلاف من فلسطينيّي القطاع، والتأثير الاقتصادي لمثل هذا النزوح الجماعي. وتوقّع أحد السيناريوات مغادرة أكثر من 500,000 من سكان غزة، مع «حزم إعادة توطين» بقيمة 9,000 دولار للشخص الواحد، أو إجمالي خمسة مليارات دولار.
وكانت المجموعة حاولت التبرّؤ من هذا المشروع بعد تسرّب أنباء عنه، قائلة إنّ المستشار الرئيس الذي عمل عليه «قيل له بشكل قاطع ألّا يقوم بالعمل لكنه انتهك التوجيه. لكنّنا كشركة نرفض هذا العمل الذي نعتبره انتهاكاً مباشراً لسياساتنا وعملياتنا. لقد أوقفنا المشروع، وأبعدنا مستشارَين اثنَين قاداه، ولم نتقاضَ أيّ رسوم، وأطلقنا تحقيقاً مستقلّاً. نحن نتّخذ خطوات لضمان عدم تكرار ذلك أبداً».
وتدير «مؤسسة غزة الإنسانية» التي نفّذت المشروع وفق تصميم «بوسطن للاستشارات»، أربعة مواقع توزيع في غزة تختلف عن النماذج التقليدية في تقديم المساعدات الإنسانية، إذ تُدار وفق نظام عسكري الطابع ينفّذه مقاولون أمنيّون أميركيون خاصون، ويحرسه جنود إسرائيليون، ويعمل ضمن بروتوكولات تزعم إسرائيل أنها ضرورية لمنع وصول المساعدات إلى «حماس». ووصفت الأمم المتحدة، «مؤسسة غزة»، بأنها «ورقة توت» للتغطية على أهداف الحرب الإسرائيلية على القطاع، بينما ترفض المجموعات الإنسانية التعاون معها. كذلك، لا يزال الغموض يحيط بتمويل المؤسسة، لكنّ حكومة الولايات المتحدة أعلنت، الأسبوع الماضي، أنها ستقدّم 30 مليون دولار لدعم جهودها.
ووفقاً لتحقيق «فايننشال تايمز»، فإنه تم استقطاب «بوسطن للاستشارات» للمشاركة في هذا المشروع، من قبل «Orbis»، وهي شركة مقاولات أمنيّة في منطقة واشنطن، اضطلعت بإعداد دراسة جدوى يبدو أنّ السلطات الأميركية كلّفتها بها في شأن مشروع مزعوم لتقديم مساعدات للفلسطينيين في غزة. وتم اختيار «بوسطن للاستشارات» تحديداً بسبب علاقتها طويلة الأمد مع فيل رايلي، العميل السابق في «وكالة الاستخبارات المركزية» الذي عمل مع «Orbis»، ثم كمستشار بدوام جزئي للشؤون العسكرية لدى «بوسطن للاستشارات»، إلى جانب الشريكَين الخبيرَين في الشؤون العسكرية، مات شلوتر، وريان أوردواي، اللذين ادّعت الشركة أنها فصلتهما من العمل.
من المعلوم أنّ «بوسطن للاستشارات» لديها قسم خاص بتقديم استشارات لمطوّري الأسلحة الأميركيين
وباستخدام مشروع تم تفصيله من قِبَل فريق شلوتر، أسّس رايلي، في أواخر عام 2024، شركة «Safe Reach Solutions»، كمنظّم أمني لجهود نظام المساعدات الجديدة. وبشكل منفصل، تم إنشاء «مؤسّسة غزة الإنسانية» (GHF) كواجهة لجمع التمويل للعملية من الحكومات المتعاطفة. ومن ثم تولّى فريق «بوسطن للاستشارات»، المكوّن من حوالي ستة موظفين، تقديم تخطيط أعمال أكثر تفصيلاً لكل من «SRS» و«GHF».
على أنه لا يمكن النظر إلى الحقائق التي كشف عنها تقرير «فايننشال تايمز» بمعزل عن سياقها الأعمّ، إذ تندرج ضمن نمط أوسع من الانتقادات الموجّهة ضدّ شركات الاستشارات الكبرى، والتي يرى البعض أنها تؤدّي دوراً كبيراً، وإن كان غامضاً في الغالب ومن وراء الكواليس، في إدامة الأنظمة التي تخدم الإمبريالية الحديثة وإسقاط الأنظمة المعادية للهيمنة الغربية.
وفي حين أنّ «بوسطن للاستشارات» وأخواتها من الشركات المماثلة عادةً ما تؤطّر عملها بأنه يهدف إلى «تعزيز التنمية الاقتصادية» و«الكفاءة»، فإنّ خبراء يقولون إنّ تدخلاتها تزيد من ترسيخ اختلال المجتمعات، وتسهيل استنزاف الموارد، وتدعم الأنظمة الإشكالية، وبالتالي تعزّز مصالح الدول والشركات الغربية على حساب السكان المحلّيين وسيادة دولهم.
وشاركت «بوسطن للاستشارات»، مثلاً، في تقديم المشورة لولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في كيفية توطيد سلطته الديكتاتورية، وتطوير مشروعه «رؤية 2030»، ما أثار انتقادات لها بسبب سجلّ السعودية في مجال حقوق الإنسان، وتورّطها في الصراعات المدمّرة في اليمن وسوريا.
وبخلاف المشاركة الحالية لـ«بوسطن للاستشارات» في مشروع المساعدات المزعومة لسكان غزة، انتقدت مجموعة «The Mapping Project»، الشركة لاحتفاظها بمكتب لها في إسرائيل وتقديم خدمات استشارية للشركات الإسرائيلية، قائلة إنّ ذلك يدعم احتلال الجيش الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، واعتبرت تركيزها على تلميع الشركات التكنولوجية الإسرائيلية كجزء من جهد لرسم صورة إسرائيل كـ«أمة للشركات الناشئة»، تبييضاً لحكمها الاستعماري البغيض.
ومن المعلوم أنّ «بوسطن للاستشارات» لديها قسم خاص معنيّ بتقديم استشارات وبناء إستراتيجيات الطيران والدفاع لمطوّري الأسلحة الأميركيين. ويعمل القسم مباشرة مع وزارة الدفاع الأميركية، فيما استفاد، بحسب تحقيقات استقصائية، بمئات الملايين من الدولارات من عقود مع مختلف فروع القوات المسلحة الأميركية.
وتحدّث ناشطون أميركيون عن ظاهرة «الباب الدوار» بين وزارة الدفاع والشركة، إذ ينتقل مسؤولون دفاعيون سابقون إلى مناصب عليا في الشركة، ما يثير مخاوف في شأن تضارب المصالح، وإدامة السياسات العسكرية. فعلى سبيل المثال، انضمّت وكيلة وزارة الدفاع للسياسة سابقاً، ميشيل فلورنوي، بعد تركها العمل الحكومي، إلى «بوسطن للاستشارات»، وهو ما أعقبه ارتفاع ملحوظ في العقود الموقّعة بين «البنتاغون» والشركة.

