القمة الأميركية - الأفريقية: انفتاح طريق «النهب» الأميركي
تفتح قمّة ترامب مع قادة أفارقة الباب أمام نهب منظّم للموارد تحت غطاء «الشراكة»، وسط تنازلات متسارعة ومزاعم أميركية بصناعة السلام.


استضاف الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بين التاسع والـ11 من الشهر الجاري، قادة كلّ من موريتانيا وليبيريا والسنغال وغينيا بيساو والغابون، في قمّة أميركية - أفريقية مصغّرة، لم تخلُ من تعليقات مباغتة لترامب، ومقاطعته ضيوفه الذين تسابقوا - بدورهم - إلى تقديم عروض للحكومة والقطاع الخاص الأميركيَّين للاستثمار في بلادهم، معدّدين مواردها المعدنية والزراعية التي تلائم احتياجات السوق الأميركية. وبينما طغت تعليقات الرئيس الأميركي على أجندة القمّة ومخرجاتها، بدت هذه الأخيرة متّسقة تماماً مع خطط ترامب في أفريقيا وسياسة الضغط الأقصى التي يمارسها على دولها (وقادتها)، بغرض التسليم الكامل بشروط العلاقة، كما تراها واشنطن.
أجندة القمّة الأميركية - الأفريقية: مأسسة نهب الموارد
جاءت القمّة بعد أسبوع واحد فقط من غلق ترامب، «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» (USAID)، التي تنفق نحو 40% من موازنتها السنوية على دول أفريقيا جنوب الصحراء. لكنّ أجندة القمّة نفسها كانت واضحة للغاية، وتركّزت في بند التجارة، فيما بدّدت المقاربة الأميركية القائمة على التجارة بدلاً من المساعدات، مخاوف حكومات تلك الدول.
وممّا قاله ترامب في هذا الخصوص، إنّ الدول الأفريقية الخمس لديها مقدّرات اقتصادية هائلة، و«وفرة في الأراضي، والمعادن، واحتياطات البترول الغنية» والشعب الرائع، معلناً وقْف ما وصفه بـ«نموذج المساعدات الخارجية القائم على العمل الخيري». ورغم تضاؤل نصيب الدول الأفريقية الخمس من التجارة بين الجانبَين، إلا أنّ مواردها الطبيعية الغنية، ووقوع كلّ من موريتانيا والسنغال على المحيط الأطلسي، يشكّلان نقطتَي ارتكاز للتجارة الأميركية مستقبلاً.
كذلك، تحدّث الرئيس الموريتاني محمد ولد غزواني، ومعه الرئيس الغابوني برايس كلوتير أوليجوي، عن ثراء بلاديهما بالمعادن الأرضية النادرة، من مثل المنغنيز واليورانيوم والليثيوم، والفرص الهائلة المتاحة استثماريّاً للشركات الأميركية، في حين كرّر ترامب موقف إدارته الحاسم إزاء تلك المقاربة، التي ستكون «على المدى البعيد أكثر فاعلية واستدامة، مقارنة بأيّ أمر آخر يمكننا القيام به».
القمّة نفسها جاءت لتعزّز صورة ترامب باعتباره «صانعاً للسلام» في القارة
ورغم تهكّمه بضيوفه، بدت استجابة القادة الأفارقة لمقترحات ترامب متفهّمة لجهود الولايات المتحدة لمحاصرة نفوذ كل من الصين وروسيا في غرب أفريقيا، عبر نهج يضمن حصّة أميركية رئيسة في موارد تلك الدول. لكن التوقّعات بأن تؤدّي تلك المقاربة إلى إحداث تغيير جذري في حالة الشراكة الاقتصادية الحالية بين الصين وبلدان القارة، تظلّ أمراً مبالغاً فيه على المدى المتوسط، وذلك بالنظر إلى عدّة اعتبارات: أهمّها استئثار بكين بالفعل بحصّة الأسد في تجارة أفريقيا الخارجية (اقتربت من 300 مليار دولار في عام 2024، مقارنة بنحو 70 ملياراً، هو حجم التجارة الأميركية مع القارة في العام نفسه).
غير أنّ الدفع الأميركي لا يخلو من تهديدات حقيقية لبكين وموسكو، وحصصهما المعدنية في دول القارة؛ فعلى سبيل المثال، يُتوّقع أن تتراجع حصّة الصين من وارداتها من المنغنيز من الغابون (التي توفّر وحدها 22% من إجمالي واردات هذا البلد) لمصلحة الولايات المتحدة.
القمّة وتحسين صورة ترامب
رغم الانتقادات الأفريقية التي وُجّهت إلى ترامب والقادة الذين اجتمع إليهم، على خلفية الإهانة الواضحة لهؤلاء، واللغة المؤسّسة لنهب موارد هذه الدول باتفاقات جديدة، وكذلك حقيقة إدراج كل من ليبيريا والغابون والسنغال وموريتانيا في لائحة تضمّ 36 دولة أعدّتها الإدارة الأميركية، ويحظر على مواطنيها السفر إلى الولايات المتحدة، فإنّ القمّة نفسها جاءت لتعزّز صورة ترامب باعتباره «صانعاً للسلام» في القارة، وذلك بعد نجاح إدارته في وضع نهاية مرحلية لواحدة من أكبر أزمات القارة: أي الحرب بين رواندا وجمهورية الكونغو الديموقراطية.
وعلى هذه الخلفية، أوردت تقارير إعلامية أنّ عدداً من قادة الدول الخمس طالبوا بترشيح ترامب لنيل جائزة «نوبل» للسلام (التي تمثّل حلماً شخصيّاً بالنسبة إليه وفق ما يَظهر من الحماسة التي يبديها إزاء الفكرة). واتّضح هذا الجانب في تصريحات مسؤولين أميركيين (12 تموز)، عن أنّ النجاح الفريد الذي حقّقته الإدارة الأميركية في أزمة الكونغو، سيتبعه نجاح آخر لا يقلّ أهمية في حالة الحرب في السودان، في إطار جهود البيت الأبيض لوضع نهاية «لحرب كبرى أخرى في القارة». ويكرّس ما تقدّم صورة ترامب «أفريقيّاً» باعتباره صانعاً للتسويات.
أيضاً، فاز ترامب، أثناء القمّة، في معركة أخرى، بعد موافقة عدد متزايد من الدول الأفريقية على استقبال مرحَّلي الولايات المتحدة؛ إذ أبدت الغابون وجنوب السودان موافقتهما رسميّاً على ذلك، في حين تقترب رواندا من الاتفاق رسميّاً مع الولايات المتحدة على المسألة نفسها. ومع أنّ هذا الفوز مجانيّ، ولم تقدّم عبره الولايات المتحدة إسهامات ملموسة، مكتفيةً بالضغط المستمر ودفع أطراف الأزمات إلى حافة الصدام المفتوح والمستدام قبل التدخّل المشروط والمكلف، فإنه يمثّل قيمة مضافة مهمّة لواشنطن في سياساتها الأفريقية المستقبلية.
ويبدو ذلك ماثلاً في مقاربتها الأخيرة للأزمة السودانية، وإثارتها خطاباً متناقضاً (يتجسّد في دعوة الإمارات إلى الانضمام إلى الرباعية الدولية لمناقشة أزمة السودان، رغم قطع الخرطوم علاقاتها الدبلوماسية كاملة مع أبو ظبي)، ما سيؤدّي ختاماً إلى فرض تسوية أميركية بتيسير إقليمي وبرضوخ من الأطراف المحلّية، ويضيف بالتالي إلى مكانة ترامب كصانع سلام في القارة الأفريقية، بمعزل عن تكاليف تدخّلاته وتسوياته.
وهكذا، تبدو القمّة الأميركية - الأفريقية المصغّرة مجرّد خطوة صغيرة في مسار الضغط على الدول الأفريقية لتقديم مزيد من التنازلات الاقتصادية والسياسية لمصلحة الولايات المتحدة، في مقابل توفير هذه الأخيرة مظلّة شرعية لحكومات تلك الدول، وحمايتها مستقبلاً من السقوط. وفي خلفية ذلك، تبرز مسألة مواجهة النفوذ الصيني «الناهب» للموارد الأفريقية، والروسي الذي «يهدّد استقرار» القارة بحسب الرواية الأميركية، ووفقاً لتصوّرات ترامب التي تكتسب يوماً بعد آخر أرضاً في البلدان الأفريقية (لا سيّما الصغيرة منها).
