
لندن | تلتئم في العاصمة الصينية، بكين، بعد غدٍ الخميس، القمة الـ25 بين الاتحاد الأوروبي وجمهورية الصين الشعبية، عشية الذكرى الـ50 لإقامة العلاقات الديبلوماسية بينهما. لكنّ اللقاءات، التي سيحضر الزعيم الصيني، شي جين بينغ، افتتاحها، بحسب «رويترز»، تنعقد في أجواء من انعدام الثقة، فضلاً عن التباعد الإستراتيجي بين أوروبا الباحثة عن بدائل لعلاقة مضطربة مع الولايات المتحدة في العهد الترامبي، والصين المتحفّزة لتكريس موقعها في نظام عالمي جديد قيد التشكُّل.
وبحسب ما أشارت إليه مصادر بروكسل (عاصمة الاتحاد الأوروبي)، فإنّ الوفد الأوروبي إلى بكين، سيضمّ كلّاً من رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية أرسولا فون دير لايين، والممثّلة العليا في الاتحاد كايا كالاس، فيما سيقود الجانب الصيني رئيس مجلس الدولة (المعادل لمنصب رئيس مجلس الوزراء) لي تشيانغ.
أوروبيّاً، تأتي القمّة في وقت شديد الحساسية، بعدما وجدت القارة القديمة نفسها محشورة بين ثلاث قوى كبرى تتّسم علاقاتها بها بالاضطراب لأسباب متفاوتة: روسيا، الولايات المتحدة، والصين. لكنّ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض - ببرنامجه الانعزالي الأحادي ونزعته إلى تفكيك النظام الدولي القائم -، فرضت على بروكسل أن تعيد النظر في منهجية صياغة تموضعاتها بشكل جذري أثناء المرحلة المقبلة. فبعد اختيار النخب الليبرالية الأوروبية مربّع العداء التناحري مع روسيا، وأمام انسحاب واشنطن من صيغة الرعاية الدافئة لحلفائها على الجانب الآخر من الأطلسي، وتوظيفها للرسوم الجمركية والعقوبات كأدوات لابتزازهم تجاريّاً، تجد أوروبا نفسها بحكم الواقع الموضوعي مدفوعة نحو آسيا، وتحديداً نحو بكين، بحثاً عن شراكات إستراتيجية تعوّضها عن خسائرها على الجهتَين الأخريَين.
على أنّّ انفتاحاً أوروبيّاً على الصين لن يكون رحلة سهلة، ولن يخلو من التناقضات، فضلاً عن أنه يفتقد إلى موقف موحّد بين الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد؛ ذلك أنّ النخب الأوروبيّة لا تريد التنازل عمّا تسمّيه «القيم الغربية»، ولا هي تقدر على القطيعة الكاملة مع واشنطن، لكنها مضطرّة للبقاء على صلة بما يجري من تحوّلات، لكسر طوق الهيمنة (التجاريّة) الأميركية، ومدّ اليد إلى الصين، لا سيّما في ملف التجارة والمواد الأولية النادرة - التي تمتلك بكين أهمّ مخزوناتها العالمية.
وفي العقد الأخير، اتّسمت مقاربة الاتحاد الأوروبي للعلاقة مع الصين، بكثير من التعقيد، مع ميل إلى العداء، تناغماً مع السياسات الأميركية. ففي وثيقة بروكسل «الاتحاد الأوروبي - الصين: نظرة إستراتيجية - 2019»، وُصفت بكين بأنها «شريك تجاري، ومنافس اقتصادي، ونقيض على مستوى النظام السياسي (أيّ الديموقراطية الليبرالية وفق النهج الغربي)».
ولاحقاً، توقّفت المصادقة على اتفاق الاستثمار الشامل بين الجانبَين، بعد فرض عقوبات أوروبية على الصين، على خلفية ملف الإيغور، وذلك في ظلّ تزايد الاتهامات الأوروبية للصين في شأن ممارسات تجارية غير عادلة، من مثل الدعم الحكومي وغلق الأسواق و«إغراق» أوروبا بالسيارات الكهربائية المنتجة بتسهيلات حكومية.
في المقابل، تَنظر بكين إلى بروكسل كقوّة متوسطة تُبالغ في انتقاداتها للنظام الصيني، وتُظهر تبعيّة متزايدة للولايات المتحدة - خصوصاً عبر تورّط بعض الدول الأوروبية في الجهود الإستراتيجية الأميركية للسيطرة على المحيط الهادئ -، ومواقف سلبية تجاه مطالبة بكين التاريخية بتوحيد الصين عبر استعادة آخر الأقاليم التي لا تزال خارج سيطرتها: تايوان. مع ذلك، فإنّ القيادة الصينية، ورغم مناخ تآكل الثقة المتبادل، تظلّ منفتحة في ما يبدو على دعوات إعادة تعريف العلاقة على أساس المصالح المتبادلة أساساً، وليس الأيديولوجيا أو الانحيازات الجيوسياسية.
تَنظر بكين إلى بروكسل كقوّة متوسّطة تُبالغ في انتقاداتها للنظام الصيني
وفي ساحة المصالح حصراً، فإنّ بروكسل تعاني من ميزان تجاري يميل بشكل كبير إلى مصلحة بكين، مع عجز سنوي يصل إلى حدود الـ400 مليار يورو. وتهيمن شركات صينية على قطاعات إستراتيجية - من المعادن النادرة إلى السيارات الكهربائية -، بينما تواجه الشركات الأوروبية قيوداً صارمة وتعقيدات في النفاذ إلى السوق الصينية. وأدّت هذه الاختلالات البنيوية - من منظور الأوروبيين دائماً - إلى تصاعد المطالب داخل الاتحاد، باتّخاذ إجراءات حمائية، من فرض رسوم جمركية إضافية على السيارات الصينية، إلى إنشاء آليّة مراقبة للواردات من الصين، بهدف تتبّع تدفّقات السلع الصينية، وفرض تدابير مضادة عندما تستدعي الحاجة.
أمّا القضية الأخرى التي ستحتلّ حيّزاً مهمّاً في ديبلوماسية المصالح، فهي ملفّ المعادن النادرة، التي تعتمد القارة بنسبة 98% على الصين للحصول عليها؛ علماً أنها ضرورية لصناعات التكنولوجيا الخضراء، والرقائق الإلكترونية، فضلاً عن المعدّات الطبية. وبعدما فرضت بكين قيوداً على تصديرها العام الماضي، انخفضت الكميات المتّجهة منها إلى دول الاتحاد بنسبة 84%، ما تسبّب في اضطرابات حادّة في سلاسل الإمداد الأوروبية.
ورأت بروكسل في هذه الخطوة، «ابتزازاً» اقتصادياً، وطالبت بكين بالتوافق على آليّات تعاون شفّافة تضمن الوصول إلى هذه المواد من دون شروط سياسية. لكنّ الأخيرة برّرت إجراءاتها باعتبارات تتعلّق بـ«الأمن القومي»، متّهمةً الأوروبيين بممارسة «حمائية مموّهة»، عبر تبنّي آليات تدقيق تعسّفية، واستبعاد الشركات الصينية من القطاعات الحيوية.
لكن، ورغم كل هذا التوتّر، فإنّ ثمّة مجالات يمكن أن تشكّل منطلقاً لتقارب مشروط بين الطرفَين. فالاتحاد الأوروبي الساعي للوصول إلى الحياد الكربوني وتخفيض الاعتماد على الطاقة الأحفورية، لا يمكنه الاستغناء عن المنتجات الصينية في مجال الطاقة المتجدّدة: كالألواح الشمسية، البطاريات، التوربينات، والمواد الأولية؛ بل إنّ شركات صينية، مثل «BYD»، تُنتج سيارات كهربائية بمواصفات متقدّمة وأسعار مغرية، وتبني مصانعها في قلب أوروبا (مثل هنغاريا)، ما يطرح مخرجاً يكسر معضلة حماية الصناعة الأوروبية من «الإغراق»، وفي الوقت نفسه، يتيح الفرصة أمام الجمهور الأوروبي للاستفادة من مزيج الجودة الممتازة والتكلفة المعقولة للمنتجات الصينية.
على أنّ القمّة لن تقتصر، بطبيعة الحال، على مسائل التجارة والتبادل الاقتصادي، بل ستحمل فرصة نادرة للغوص في بعد جيوسياسي أعمق، في وقتٍ يشهد فيه العالم مرحلة انحدار النظام الليبرالي التقليدي وتقلّص فعالية المؤسّسات الدولية - من الأمم المتحدة إلى «منظمة التجارة العالمية» -، وتراجع التعدّدية، وسط تصاعد النزاعات التي تقسّم العالم. ولذلك، فإنّ بروكسل ستحاول إقناع بكين بأن تكون طرفاً فاعلاً في إصلاح النظام الدولي المتعدّد الأطراف، بدلاً من تقويضه، أو السعي إلى استبداله. وفي هذا السياق، قد تقترح قنوات مستجدّة للتعاون تعيد إحياء بعض عناصر اتّفاق الاستثمار المجمّد، وتوسّع مساحة الحوار ليشمل ملفات عابرة للحدود كما المناخ، والحوكمة التكنولوجية، وتحديد المعايير الأخلاقية للذكاء الاصطناعي.
ومن المؤكّد أنّ ملفّ الحرب الأوكرانية سيُطرح على طاولة القمّة أيضاً. فالاتحاد الأوروبي الذي يتّهم الصين بالانحياز إلى روسيا عبر مشتريات الطاقة والصادرات ذات الاستخدام المزدوج، سيحاول الضغط لإقناع بكين بتأدية دور أكثر توازناً، لكن بالطبع من دون أوهام كبيرة، إذ ليس سرّاً أنّ بكين تدعم موسكو كجزء من خياراتها الإستراتيجية في إدارة الصراع مع واشنطن، وكأداة ضغط على أوروبا.
على أنّ الخبراء لا يتوقّعون اختراقاً كبيراً في بكين؛ فحتى شكل القمّة - تقليصها إلى يوم واحد، ونقلها من بروكسل إلى العاصمة الصينية -، يعكس تراجع سقف التوقّعات، وربّما استعراض قوّة صيني محسوباً أيضاً. لكنّ القمّة تبقى فرصة ضرورية لطرفَين على مفترق طرق فرضته تكتيكات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب: أوروبا لاستعادة توازنها من عداء موسكو وجفاء واشنطن معاً، والصين لتفادي العزلة الكاملة والانزلاق نحو مواجهة مع الغرب بأكمله.

