واشنطن - بريتوريا: انبعاث المكارثية
يستعيد مشروع قانون أميركي خطاب المكارثية لمعاقبة جنوب أفريقيا على دعمها لفلسطين وتحالفها مع خصوم واشنطن، في سياق حملة ضغط أوسع لإعادة ضبط سياساتها الخارجية.


مضى مشروع قانون مراجعة العلاقات الثنائية الأميركية - الجنوب أفريقية، الذي قدّمه السناتور عن ولاية تكساس، روني جاكسون، مطلع نيسان الماضي، خطوةً أخرى إلى الأمام، في الـ22 من الشهر الجاري، مع تصديق «لجنة الشؤون الخارجية» في مجلس النواب الأميركي عليه.
ويستهدف المشروع فرض عقوبات محدّدة على قادة جنوب أفارقة في «حزب المؤتمر الوطني»، على خلفية ما يصفه بأنه «تحيّز إلى حماس التي تصنّفها الولايات المتحدة منظّمة إرهابية خارجية، ووكيلة النظام الإيراني، ومواصلة إقامة علاقات وثيقة مع جمهورية الصين الشعبية والاتحاد الروسي»، وما يعتبره جاكسون نفسه نتيجة لاختيار جنوب أفريقيا التخلّي عن أميركا وحلفائها، والوقوف مع «الشيوعيين والإرهابيين». وتَظهر من الخطاب المتقدّم، استعادة لافتة لحقبة المكارثية في الولايات المتحدة ضدّ الأصوات المعارضة.
نحو معاقبة جنوب أفريقيا: في فخّ المكارثية
صوّت المشرّعون الأميركيون، في الـ22 من الجاري، لمصلحة مشروع قانون يقترح مراجعة علاقات الولايات المتحدة مع جنوب أفريقيا، ويمهّد لفرض عقوبات على حكومة «المؤتمر الوطني»، وعدد من مسؤولي الحزب. وتدهورت العلاقات بين البلدين، على خلفية إدانة بريتوريا حرب غزة، وادّعاءات الرئيس دونالد ترامب ارتكاب حكومة «المؤتمر»، «إبادة» في حقّ سكان البلاد البيض. وصوّت 34 عضواً في «لجنة الشؤون الخارجية»، في مقابل رفض 16، لمصلحة طرح المشروع للتصويت عليه في مجلس النواب، حيث ينتقل بعدها - في حال تمريره - إلى مجلس الشيوخ للتصويت عليه، قبل أن يصبح نافذاً بعد توقيعه من جانب الرئيس.
ويُسجّل لجاكسون جهده الحثيث في ملاحقة جنوب أفريقيا بسبب مواقفها الداعمة لحقوق الفلسطينيين في غزة؛ فقد سبق أن قدّم، مع ديفيد كوستوف، قراراً في الكونغرس، في نهاية شباط 2024، لإدانة قرار «محكمة العدل الدولية» (الصادر في 26 كانون الثاني من ذلك العام)، القاضي بفرض إجراءات ضدّ «دولة إسرائيل»، بسبب ما سمّاه القرار الأول «دفاعها عن نفسها في أعقاب هجمات حماس القاتلة في السابع من أكتوبر (2023)». وبرّر جاكسون خطوته تلك، بخشيته من سقوط جنوب أفريقيا فريسة لدعاية إرهابية تبثّها «حماس» «المدعومة من إيران، والتي تجاهر بأن هدفها هو القضاء على دولة إسرائيل»، وبأن على بلاده فعل ما في وسعها «دفاعاً عن أكبر حلفائنا في الشرق الأوسط».
وواصل جاكسون، الذي اختير، في كانون الثاني الماضي، رئيساً مشاركاً لتجمُّع حلفاء إسرائيل في الكونغرس، دفاعه عن هذه الأخيرة، وحربها في غزة، ومطالبته المجتمع الدولي بـ«تفهُّم» هذه الحرب، والدعوة إلى التحرك ضد قادة جنوب أفريقيا المتهَمين بـ«الشيوعية ومناهضة الصهيونية». والجدير ذكره، هنا، أن جاكسون ركّز جهوده، حتى في السنوات السابقة على حرب غزة، على مسألة مراجعة العلاقات بين واشنطن وبريتوريا، ما يوضح أن توجّهاته ثابتة، ولا ترتبط فحسب بالحرب الجارية.
جنوب أفريقيا ومحور «الجنوب العالمي»: خيارات صعبة
يلاحَظ تقارب لغة جاكسون واتهاماته لجنوب أفريقيا، مع لهجة ترامب، ولا سيما أن مشروع القانون يركّز على تحالف بريتوريا مع أعداء واشنطن (وأهمهم بكين وموسكو وطهران). كما أن نبرة تهديد جاكسون تجد صدًى لها في أجندة ترامب الأفريقية، حيث يجري تعميق تهديد الاقتصاد الجنوب أفريقي بزيادة الجمارك المفروضة على صادراته إلى الولايات المتحدة، بنسبة 30%، وذلك على الرغم من فشل الإدارة الأميركية في استمالة قطاعات من مجموعات «الأفريكانر» للهجرة، وردود هؤلاء المباغتة على ترامب بأنهم يتمتعون بالفعل بأوضاع متميزة في جنوب أفريقيا.
لكن، على مستوى أعمق، يبدو أن غاية القانون تتطابق بشكل أكبر مع ما أعلنه ترامب بخصوص عزمه مواجهة أيّ تهديدات لاقتصاد بلاده، سواء عبر تجمّع «بريكس» (الذي يضم الدول الثلاث المُستهدفة في القانون، إضافة إلى جنوب أفريقيا)، أو أيّ سياسات ثنائية بين الدول تهدّد الاقتصاد الأميركي.
اتّخذت بريتوريا خطوات بالغة الحسم في تعميق علاقاتها مع «الدول المستهدفة»
وبينما لم يكترث مسؤولون جنوب أفارقة بالخطوة الأميركية، فإن الرئيس سيريل رامافوسا، آثر تبنّي لغة هادئة، مؤكداً أن كل شيء ستتم مناقشته (مع ترامب) في أوانه. وفي الوقت ذاته، اتّخذت بريتوريا خطوات بالغة الحسم في تعميق علاقاتها مع «الدول المُستهدفة». فعلى سبيل المثال، أصدرت الحكومة الجنوب أفريقية (24 تموز) قراراً رسميّاً بسحب اعترافها الدبلوماسي بمكتب تمثيل تايوان في بريتوريا، داعيةً السلطات التايوانية إلى نقل المكتب إلى جوهانسبرغ، وإعادة تسميته باسم «مكتب اتصال تايبيه». واعتبرت بكين، في تعليق مختصر، أن خطوة بريتوريا تتّسق تماماً مع «مبدأ الصين الواحدة»، وروح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الرقم 2758.
أمّا بالنسبة إلى العلاقات مع روسيا، فتظلّ جنوب أفريقيا بوابة مهمّة للوجود الروسي المتزايد في القارة. وفي هذا الإطار، استضاف «المعهد الجنوب أفريقي للشؤون الدولية»، أخيراً، بالتعاون مع الهيئة الروسية «Valdai Discussion Club»، المؤتمر الثالث حول روسيا وأفريقيا، الذي تبنّى أجندة إقامة علاقات أفريقية - روسية متساوية، من دون عوائق أو قيود، والنظر المتبادل إلى القيم والمصالح القومية بين الجانبَين، وكذا التعاون في مسائل التنمية التكنولوجية والأمن؛ وهي عناوين تمثّل أولويات جنوب أفريقيا في رئاستها لـ«مجموعة العشرين»، كما أن لها أهمية واضحة لبريتوريا وموسكو معاً، في ما يكشف عن أفق التعاون بين البلدين بشكل كامل.
وبالنسبة إلى إيران، فإن متابعة الميديا الغربية والعبرية، تكشف عن اهتمام بالغ بالتقارب الجنوب أفريقي - الإيراني، وصولاً إلى تقارير تحدّثت عن وجود تعاون عسكري في قطاع الاتصال (واتهامات إسرائيلية طاولت عملاق الاتصالات الجنوب أفريقي MTN وحصته في IRancell)، بينما كثّفت جماعات يهودية في جنوب أفريقيا والولايات المتحدة حملاتها على تعاون بريتوريا مع طهران في ما وصفته بالقطاعات العسكرية والأمنية والاقتصادية. كما تداولت الميديا الجنوب أفريقية ما وصفته بـ«اتهامات جادّة ضد جنوب أفريقيا على خلفية التعاون مع حماس»، ظهرت في دعوى قضائية رفعتها إحدى المنظّمات الأميركية ضدّ الرئيس رامافوسا.
ويكشف هذا الحراك عن أن مشروع قانون إعادة تقييم العلاقات الأميركية - الجنوب أفريقية مجرّد جانب من التحرّك الأميركي - الإسرائيلي المستمرّ لإعادة ضبط سياسات بريتوريا الخارجية على الصعد كافة، وليس ما يختص بعلاقاتها مع الصين وروسيا وإيران فقط.
