ترامب يواصل إذلال الأوروبيين: اتفاق تجاري لمصلحة واشنطن

لندن | في ما وُصف بأنه «أكبر صفقة على الإطلاق»، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورئيسة المفوّضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين، أول من أمس، توصّل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى اتفاق تجاري "تاريخي"، يكمن جوهره في قبول التكتّل تعرفة جمركية بنسبة 15% على معظم صادراته إلى الولايات المتحدة، من دون تعرفات مقابلة على البضائع الأميركية المتّجهة إلى أسواق القارّة، بالإضافة إلى التزامات ضخمة من جانب بروكسل بشراء مئات المليارات من الدولارات من منتجات الطاقة والمعدّات العسكرية الأميركية.
وعلى الرغم من أن معدّل التعرفة البالغ 15% هو نصف الـ30% التي هدّد ترامب بفرضها إذا لم يتمّ التوصّل إلى اتفاق قبل الأول من آب المقبل، فإنه يمثّل قفزة هائلة مقارنة بالتعرفات شبه الصفرية التي كانت سارية تاريخيّاً بين الجانبَين، كما أنه أعلى بكثير حتى من التعرفة البالغة 10% التي قبلتها المملكة المتحدة في صفقتها التجارية الخاصة مع الولايات المتحدة قبل أشهر، والتي اعتبرها العديد من القادة الأوروبيين، حينئذ، "سيئة".
إلّا أن أخطر ما في الصفقة، يظلّ حجم الالتزامات المالية التي فرضتها أميركا على الأوروبيين، والتي بدت على نسق ما حصل عليه ترامب من رحلته "المثمرة" إلى قطر والسعودية والإمارات في أيار الماضي. فوفقاً لتصريحات أدلى بها الرئيس الجمهوري من منتجعه، تورنبيري للغولف في أسكتلندا، سيتعيّن على التكتُّل الأوروبي إنفاق مبلغ إضافي قدْره 750 مليار دولار على منتجات الطاقة الأميركية، بما في ذلك النفط والغاز والوقود النووي، على مدى السنوات الثلاث المقبلة. ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ، بل وافق الاتحاد أيضاً على استثمار 600 مليار دولار إضافية في الولايات المتحدة، بما يشمل شراء كميات "هائلة" من المعدّات العسكرية الأميركية.
وتُظهر هذه الأرقام، التي وصفها محلّلون بأنها "انتصار مدوٍّ" للرئيس الأميركي، بأن الاتفاق العتيد يميل بشكل كلّي إلى مصلحة الولايات المتحدة، وهو أقرب ما يكون إلى الإملاء، وليس إلى المساومة المتوازنة بين شريكَين. ونقلت صحف لندن عن مصدر، قوله إن "تعرفة بنسبة 15% على السلع الأوروبية، وعمليات شراء قسرية للطاقة والمعدّات العسكرية الأميركية، وعدم وجود تعرفة مقابلة من أوروبا: هذا ليس تفاوضاً، هذا فنّ الصفقة - في إشارة إلى كتاب ترامب في شأن طريقته في إجراء المفاوضات -".
وعلى الرغم من محاولات فون دير لايين تصدير الاتفاق على أنه "صفقة جيدة" ستجلب "الاستقرار والقدرة على التنبؤ"، و"أفضل ما كان يمكن الحصول عليه"، فإن الواقع يشير إلى أن بروكسل اضطرّت إلى قبوله تحت التهديدات الأميركية، ومن دون الاستفادة من مصادر قوّتها الذاتية.
وكان الاتحاد الأوروبي أعدّ العدّة لفرض تعرفات مضادة تصل إلى 30% على 92 مليار يورو من الصادرات الأميركية إلى الأسواق الأوروبية، فيما لمّح البعض إلى إمكانية استخدام "أداة مكافحة التعسّف" التجاري ضدّ الولايات المتحدة، بما يمنح القارة هامشاً واسعاً من المناورة، ولو على المستوى النظري.
لكنّ فون دير لايين أضاعت فرصة نادرة لتعزيز موقفها التفاوضي في مواجهة ترامب عبر بوابة الصين، مستخدِمةً القمّة الأوروبية - الصينية الأخيرة، التي انعقدت الخميس الماضي، في رفع السقوف وإطلاق التهديدات فحسب.
ويمكن اعتبار الـ15% بمثابة تسوية تجنّبت الأسوأ، ولكنها لا تزال بعيدة كل البعد عن أهداف بروكسل الأصلية، والتي كانت تتّجه منذ الولاية الأولى لترامب، نحو اتفاق "صفر مقابل صفر" للتعرفات، أي إزالة جميع الرسوم الجمركية بين الجانبين.
يحتفظ ترامب بالقدرة على زيادة التعرفات في المستقبل، إذا لم تفِ الدول الأوروبية بالتزاماتها الاستثمارية
وعلى الرغم من التوصّل إلى اتفاق، لا تزال انعكاسات ذلك على بعض القطاعات الأوروبية غير واضحة؛ فبينما سيتم تخفيض التعرفات إلى الصفر على سلع أميركية استراتيجية معيّنة، من مثل الطائرات وقطع غيارها، وبعض المواد الكيميائية، ورقائق أشباه الموصلات، وبعض المنتجات الزراعية، والمواد الخام الحيوية، فإن مصير سلع أخرى بقي معلّقاً. وكان هناك ارتباك في البداية حول المستحضرات الصيدلانية، التي تُعدّ أهمّ الصادرات الأوروبية إلى الولايات المتحدة، قبل أن يؤكد مسؤول أميركي رفيع المستوى لاحقاً، أنها ستخضع لتعرفة الـ15%، ما سيهدّد تنافسية شركات الأدوية الكبرى، مثل "سانوفي" و"باير"، وسيؤدي إلى ارتفاع أسعار الأدوية في السوق الأميركية، مشكّلاً عبئاً إضافيّاً على المستهلك الأميركي. كما أن الاتفاق لم يحسم بعد مصير التعرفات التي سيواجهها منتجو النبيذ والمشروبات الروحية الأوروبيون، وهو أمر "تجب تسويته في الأيام المقبلة"، وفقاً لفون دير لايين.
لكنّ الأمر الأكثر إثارة للقلق، أوروبيّاً، هو قرار الولايات المتحدة الإبقاء على تعرفة الـ50% على الصلب والألومنيوم، والتي فرضها ترامب عالميّاً، في قرار خيّب آمال الصناعة الأوروبية التي كانت تأمل في تطبيق تعرفة الـ15% عليها أو على الأقلّ منحها حصص تصدير بتعرفة منخفضة. وعلى الرغم من أن فون دير لايين أشارت إلى إمكانية استبدال هذه التعرفات بنظام حصص من خلال المزيد من المفاوضات، إلّا أن ذلك لا يوفّر أيّ مخرج سريع للصناعات التي تضرّرت بشدّة.
ويضاف إلى ما تقدّم، أن وزير التجارة الأميركي، هوارد لوتنيك، أعلن أن بلاده ستكشف عن تعرفات جديدة على رقائق أشباه الموصلات في غضون أسبوعين، بسبب ما سمّاه "ارتباطها بالأمن القومي"، ما يلقي بمزيد من ظلال الشكّ على أيّ استقرار تجاري محتمل في قطاعات استراتيجية.
ويتوقّع خبراء أن يكون تأثير الصفقة أشدّ وطأة على ألمانيا، أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، وواحدة من أكبر الدول المصدّرة إلى الولايات المتحدة. فبينما رحّب المستشار الألماني، فريدريش ميرز، بالاتفاق لأنه "تجنّب صراعاً تجاريّاً أوسع"، فإن اتحادات الصناعة القوية في البلاد عبّرت عن خيبة أملها الكبيرة.
وقال فولفغانغ نيدرمارك، عضو المجلس التنفيذي لاتحاد الصناعات الألمانية: "حتى معدّل التعرفة البالغ 15%، ستكون له آثار سلبية هائلة على الصناعة الألمانية الموجّهة للتصدير، في حين أشارت الجمعية الألمانية لصناعة الكيميائيات إلى أن "التعرفة مرتفعة للغاية". وبحسب اقتصاديين ألمان، فإن إجمالي الإنتاج الاقتصادي لألمانيا سينخفض بموجب هذه الصفقة، بينما سيسجّل الاتحاد الأوروبي ككلّ انكماشاً اقتصاديّاً. وتُترجم هذه المخاوف إلى خسائر مالية ملموسة، إذ أعلنت شركة "فولكس فاغن" لصناعة السيارات، تكبّدها خسائر بقيمة 1.3 مليار يورو (1.5 مليار دولار)، كضربة لأرباحها في النصف الأول من العام بسبب ارتفاع التعرفات.
ولم تقتصر التداعيات السلبية للاتفاق على الأرقام الاقتصادية الكلّية، بل امتدّت لتخلق انقساماً مثيراً للقلق داخل جزيرة أيرلندا. فبينما سيستفيد التجار في أيرلندا الشمالية من اتفاق التجارة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة، الذي يحدّد معدّل تعرفة بنسبة 10%، فإن جيرانهم في جمهورية أيرلندا ستسري عليهم تعرفة الـ15% الأعلى. وهذا التفاوت سيجعل المحادثات الدبلوماسية حول ضمانات الحفاظ على الاستقرار في الجزيرة، المنصوص عليها في اتفاق "الجمعة العظيمة"، أكثر صعوبة، خاصة أن هذه الترتيبات الجمركية كانت قد هزّت بالفعل استقرار الجزيرة بعد تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وعلى كل حال، يبقى هذا الاتفاق "سياسيّاً بامتياز"، تفتقر تفاصيله إلى الوضوح، ما يفتح الباب أمام تفسيرات مختلفة وحتى تغييرات محتملة في الشروط، إذ أكّد مسؤول رفيع المستوى في الإدارة الأميركية أن ترامب يحتفظ بالقدرة على زيادة التعرفات في المستقبل، إذا لم تفِ الدول الأوروبية بالتزاماتها الاستثمارية. ويبدو هذا الشرط وكأنه يترك سيف ديموقليطس معلّقاً فوق رأس العلاقات التجارية عبر جانبَي الأطلسي، ما يقلّل من أيّ استقرار يُفترض أن يوفّره ذلك الاتفاق.

