الحلفاء وإسرائيل ممتعضون | حفلة ترامب الجمركية: لا نهاية سعيدة
يشعل ترامب مواجهة تجارية عالمية بفرض رسوم جمركية مرتفعة على واردات من 70 دولة، ما أثار غضب حلفائه، خصوصاً إسرائيل وكندا، وسط تحذيرات من تباطؤ اقتصادي عالمي واضطراب التحالفات.


لا يبدو أنّ معظم الشركاء التجاريين لواشنطن، قد استوعبوا بعد تكتيكات «الصدمة والترويع» الاقتصادية المتَّبعة من جانب إدارة دونالد ترامب؛ والتي شكّل الأمر التنفيذي الصادر عن الرئيس الأميركي والقاضي بفرض رسوم جمركية تتراوح بين 10% و41% على واردات بلاده من نحو 70 دولة، آخر حلقاتها.
وممّا جاء في بيان البيت الأبيض، أنّ بعض الشركاء التجاريين «ورغم مشاركتهم في مفاوضات، قد عرضوا شروطاً، في رأيي، لا تعالج بشكل كافٍ الاختلالات في علاقتنا التجارية، أو لا تتوافق بشكل كافٍ مع توجّهات الولايات المتحدة في المسائل الاقتصادية ومسائل الأمن القومي»، وأنّ «الرسوم الجمركية أداة ضرورية وقوية لوضع أميركا أولاً بعد سنوات من العجز التجاري الذي يُهدّد اقتصادنا وأمننا القومي». إلا أنّ الرئيس الأميركي عاد وصرّح، لـ«إن بي سي نيوز»، بأنّ بابه «سيبقى مفتوحاً أمام العروض الجذّابة»، وهو ما يفسّره إعلانه عن إبرام اتفاق تجاري مع باكستان، وعزمه استكمال المفاوضات مع كوريا الجنوبية، وكندا للتوصّل إلى تسوية مماثلة.
تفاعلات داخلية وخارجية
في ضوء ما لحظه قرار رفع التعرفات الجمركية على سلع العشرات من دول العالم، المصدّرة إلى السوق الأميركية، من إشارات تجاه بعض الحلفاء التاريخيين للولايات المتحدة، وفي مقدَّمهم إسرائيل، التي وصلت نسبة الرسوم على صادراتها إلى 15%، وكندا (35%)، بصورة شبه فورية، خلافاً لباقي الدول، فقد طغى الاستهجان والاستنكار على طبيعة المواقف الإسرائيلية والكندية في هذا الخصوص.
وبينما برّرت إدارة ترامب قرارها ضدّ أوتاوا، مرّة تحت ذرائع متّصلة بـ«عدم تعاون» الأخيرة للحدّ من تدفّق المخدرات غير القانونية إلى داخل الولايات المتحدة، ومرّة أخرى لدعمها قيام «دولة فلسطينية»، أعرب رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، عن «خيبة أمله» من التدابير التجارية الأميركية، متعهّداً بـ«اتخاذ خطوات لحماية الوظائف في بلاده، وتنويع وجهات الصادرات»، و«(أنّنا) سنواصل التفاوض مع الولايات المتحدة في شأن علاقاتنا التجارية».
أمّا في إسرائيل، فندّد رئيس «اتحاد المصنّعين»، رون تومر، بالإجراءات الجمركية الجديدة، التي «لم ترقَ إلى مستوى التوقّعات»، إذ كان من المناسب، برأيه، «أن نتوقّع من صديق إسرائيل العظيم أن يخفض التعرفة الجمركية بشكل أكبر، إلى مستوى يعبّر عن القرب والعلاقات الخاصة بين البلدَين في جميع المجالات، بما في ذلك الاقتصادية». وفي الإطار نفسه، كشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أنّ حكومة بنيامين نتنياهو كانت تراهن على ألّا تتجاوز التعرفة الجمركية الأميركية الـ10%، «ربطاً بما أوحت به إسرائيل أخيراً للجانب الأميركي حول استعدادها لإنهاء حربها على غزة». وتابعت: «طلب نتنياهو من إدارة ترامب، خلال الأسابيع الأخيرة، خفضاً كبيراً في التعرفات الجمركية، لدواعٍ تتّصل باستمرار الحرب على غزة»، مبيّنة أنّ قرار ترامب الأخير يشي بأنّ تأثير محاولات زعيم «الليكود» كان محدوداً.
وكما هو الحال في أوتاوا وتل أبيب، وحتى في عواصم أخرى كنيودلهي (25%)، التي تعهّدت بـ«حماية إنتاجها الوطني»، معلنةً نيّتها عدم شراء مقاتلات «إف-35»، وتايوان التي قابلت إعلان ترامب بفتور، كذلك كان في عواصم أوروبا، التي بدت عرضةً لـ«النيران الجمركية»، رغم إبرامها اتّفاقاً مبدئياً مع واشنطن، شمل موافقتها على دفع رسوم بنسبة 15% على نحو ثلثي صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة التي تُقدَّر قيمتها بنحو 434 مليار دولار. ووسط ما يُثار حول ذلك الاتفاق من غموض وتكهّنات، وتحديداً لناحية التشكيك في مدى إلزاميته من الناحية القانونية، وما تبعه من ردود فعل سلبية على قرار ترامب تفعيل رسومه بحلول السابع من الشهر الجاري، هاجمت زعيمة الكتلة البرلمانية لـ«حزب الخضر» الألماني المعارض، كاتارينا دروجه، النهج التفاوضي التجاري المتّبع من جانب المستشار فريدريش ميرتس، محمّلة إيّاه مسؤولية ما اعتبرته «ضعفاً» في نتائج ذلك النهج، وما ترتّب عنه من «إضرار» بالصناعات الألمانية.
وصفت «وول ستريت جورنال» التدابير الجمركية بـ«الخطوة الأسوأ في تاريخ التجارة العالمية والحمائية»
من جهته، صرّح نائب الأمين العام لـ«غرفة التجارة الدولية»، آندرو ويلسون، بأنّ «الشركات تستيقظ على حقيقة أنّنا نتعامل مع معدّل رسوم جمركية هو الأعلى تاريخيّاً»، مشدّداً على أنّه «من الصعب أن نرى ذلك يحدث من دون أن تكون له عواقب كارثية على الاقتصاد الأميركي». وأضاف أنّ الغرفة تشهد تأخيراً في الشحنات، بينما تعيد الشركات تقييم إستراتيجيات سلاسل التوريد، لافتاً إلى أنّ التجارة مع الولايات المتحدة الآن باتت «صعبة بشكل مروّع، بحيث وصل تعقيد ممارسة الأعمال التجارية معها إلى مستويات لم يكن أحد يتخيّلها». وتتقاطع تلك التصريحات، مع ما أظهره متتبّع «رويترز» للرسوم الجمركية العالمية، حول قيام ما لا يقلّ عن 99 شركة، من أصل ما يقرب من 300، يقع معظمها في أوروبا، برفع الأسعار بفعل تصاعد الحرب التجارية، ومنها شركتا «أديداس»، و«بروكتر آند غامبل».
ولم تقتصر ردود الفعل على «أمر اليوم التجاري» الصادر عن ترامب، عند حدود الخارج، بل وصلت أصداء هذا الأمر إلى الداخل الأميركي. وأفادت شبكة «سي إن بي سي» الأميركية، بأنّ محكمة الاستئناف الفدرالية بدأت تشكّك في حجج محامي وزارة العدل في إدارة ترامب، المعني بالدفاع عن نظام التعرفات الجمركية العالمي للبيت الأبيض، أثناء نظرها في القضية، أمس. ومع إشارتها إلى زعم ترامب امتلاكه سلطة فرض مجموعة واسعة من التعرفات الجمركية الجديدة بموجب «قانون الصلاحيات الاقتصادية الدولية في حالات الطوارئ» - وهي المرّة الأولى التي يتم فيها اللجوء إليه من قبل رئيس أميركي للتدخّل في السياسة الجمركية منذ إقراره عام 1977 -، أكّدت الشبكة أنّ نص القانون لا يذكر كلمة «التعرفات الجمركية» كصلاحية متاحة للرئيس بشكل صريح، علماً أنّ المحكمة الأميركية للتجارة الدولية، وهي آخر محكمة نظرت في القضية المُثارة حول «الصلاحيات الجمركية» لمؤسسة الرئاسة، قرّرت إلغاء كل من تعرفات ترامب «التبادلية» و«المتعلّقة بالاتجار» في أواخر أيار الماضي، قبل أن تبادر محكمة الاستئناف الفدرالية إلى وقف القرار بسرعة، ريثما تُبتّ الدعوى القضائية المرفوعة ضدّ إدارة ترامب نهائيّاً.
اختبار لتحالفات أميركا
خلافاً لتبعات إعلان ترامب عن الموجة الأولى من الرسوم الجمركية ضدّ معظم دول العالم، في نيسان الماضي، على سوق الأسهم، فقد توقّفت أوساط اقتصادية عند ردود الفعل «الأكثر هدوءاً» على هذا الصعيد هذه المرّة؛ إذ سجّلت الأسهم والعقود الآجلة للأسهم تراجعاً طفيفاً في تداولات صباح أمس في آسيا، مع انخفاض مؤشر «نيكي 225» الياباني بنسبة 0.66%، بينما سجّلت الأسهم الأوروبية أدنى مستوى في 3 أسابيع على غرار مؤشر «يوروستوكس» الذي هبط بنسبة 1.7 %. في المقابل، وعلى مستوى العملات، اتّجه مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل سلّة من ستّ عملات رئيسة، من بينها اليورو واليوان والفرنك السويسري إلى تحقيق أفضل أداء أسبوعي له في نحو ثلاث سنوات.
وفيما وصفت صحيفة «وول ستريت جورنال» التدابير الأميركية الجمركية الأخيرة بـ«الخطوة الأسوأ في تاريخ التجارة العالمية والحمائية» منذ ثلاثينيات القرن الماضي إبّان مدّة «الكساد العالمي»، اعتبرت شبكة «إن بي سي» أنّ ما أعلنه البيت الأبيض يُعدّ بمثابة «إعادة ضبط» للعلاقات التجارية العالمية للولايات المتحدة، بهدف «تعزيز مصالحها عبر فرض رسوم جمركية باهظة لم تُشهد منذ قرابة قرن»؛ علماً أنّ ترامب يعتبر أنّ فرض الضرائب على السلع المستوردة سيقضي على العجز التجاري ويعيد التصنيع إلى داخل الولايات المتحدة، وقد تباهى أخيراً بالعائدات التي حقّقتها الرسوم الجمركية الحالية، والتي بلغت 125 مليار دولار، فضلاً عن مئات المليارات من الدولارات التي تعهّدت بها دول محدّدة على شكل استثمارات. ومع ذلك، حذّرت الشبكة الأميركية من أنّ تلك المكاسب جاءت على حساب تباطؤ النمو الاقتصادي، مع احتمال أن تؤدّي هذه السياسات إلى رفع مستويات التضخّم في الولايات المتحدة، وكذلك ارتفاع التكاليف على الشركات، مع ما قد يحمله ذلك من تباطؤ في الاقتصاد العالمي. ووفقاً لمحلّلين، يمكن النظر إلى التعرفات الجمركية على أنّها مرحلة جديدة في أجندة ترامب التجارية، التي ستختبر متانة الاقتصاد العالمي وصلابة التحالفات الأميركية التي بُنيت على مدى عقود.
