ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

الهند في مرمى «العقوبات الثانوية»:  معركة التعرفات تختبر الطموح القومي

عرب وعالم
|آسيا
حفظ المقالة

تُدفع نيودلهي قسراً بين مطرقة تعرفات ترامب الجمركية وسندان التزاماتها الإستراتيجية مع موسكو إلى مفاوضات تمسّ شريان الطاقة وركائز السيادة الغذائية، وتضع موقعها، كثالث أكبر اقتصاد آسيوي، على المحك في نظام عالمي تصوغه واشنطن بسطوة القوّة ومنطق الهيمنة.

سعيد محمد
سعيد محمد
الإثنين 11 آب 2025
تصدّر الهند سنويّاً سلعاً بقيمة 86,5 مليار دولار إلى السوق الأميركية، أي ما يعادل 18% من مجمل صادراتها (أ ف ب)
تصدّر الهند سنويّاً سلعاً بقيمة 86,5 مليار دولار إلى السوق الأميركية، أي ما يعادل 18% من مجمل صادراتها (أ ف ب)
الخط

لندن | تجد نيودلهي نفسها، اليوم، في قلب عاصفة تجارية - جيوسياسية غير مسبوقة، بعدما صعّد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من المواجهة، مضاعفاً التعرفات الجمركية على السلع الهندية إلى 50%. هذه الخطوة، التي تمثّل ذروة سياسة "العقوبات الثانوية"، تكرّس انتقال واشنطن إلى مستوى أعلى من توظيف قوّتها الاقتصادية لخنق إيرادات موسكو ومعاقبة حلفائها، لكنها في الوقت نفسه تدفع ثالث أكبر اقتصاد آسيوي إلى معادلة شبه مستحيلة: تأمين احتياجات الطاقة والحفاظ على شريكها الروسي، من دون الرضوخ لابتزاز الولايات المتحدة، أكبر أسواقها التصديرية.

وكانت الهند، تزامناً مع انطلاق العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا (شباط 2022)، قد رفعت واردات النفط الروسي من 68 ألف برميل يومياً، إلى ما بين 1,7 و2,0 مليون برميل في عام 2025، أي ما يعادل 35%-40% من إجمالي وارداتها البالغة 5 ملايين برميل يومياً. على أن التخلّي السريع عن هذا المصدر، من شأنه أن يخلق فجوة يصعب ردمها، إذ جرى تعديل مصافي نيودلهي هندسيّاً لمعالجة خام "الأورال" الروسي الثقيل المخفَّض السعر، فيما سيؤدي استبداله بدرجات خليجية أو أفريقية أخفّ، إلى رفع فاتورة النفط بين 9 و11 مليار دولار سنوياً، وفق تقديرات الخبراء.

وتحذّر وكالة "موديز" من أنّ التعرفة الأميركية ستخفّض نمو الناتج المحلي، وتربك خطط الحكومة لجذب استثمارات الشركات العالمية التي تتبنّى إستراتيجية "الصين+1" لتقليل الاعتماد على المصانع الصينية في قطاعات الإلكترونيات والسيارات الكهربائية. وتصدّر الهند سنويّاً سلعاً بقيمة 86,5 مليار دولار إلى السوق الأميركية، أي ما يعادل 18% من مجمل صادراتها، غير أن الأثر الأعمق يطاول ثقة المستثمرين في وقت تراهن فيه نيودلهي على أن تحلّ محلّ بكين في سلاسل التوريد العالمية.

وكانت مصادر هندية أشارت إلى أن واشنطن تربط تخفيف التعرفات، بقبول نيودلهي استيراد محاصيل معدّلة وراثيّاً ومنتجات ألبان أميركية من دون رسوم جمركية، وهو ملف تعتبره حكومة مودي "غير قابل للتفاوض" حمايةً لمئات الملايين من المزارعين ومربّي الماشية والصيادين. وفي خطاب أمام أنصاره، الأسبوع الماضي، قال رئيس الوزراء، ناريندرا مودي، بلهجة متحدّية: "الهند لن تساوم على مصالح المزارعين، وأعرف أنني سأدفع شخصيّاً ثمناً باهظاً جداً، لكنني مستعد لذلك"، ما رسّخ الأزمة في الوعي العام بوصفها معركة سيادة قومية بقدْر ما هي خلاف تجاري.

ويزداد موقف مودي تعقيداً، كون الهند كانت، حتى وقت قريب، من الدول القليلة التي احتفظ ترامب بشعبية فيها، غير أن موجة السخط الإعلامي والسياسي الأخيرة أذابت كثيراً من رأس المال السياسي في العلاقة الثنائية؛ ووصفت مقالات الرأي، في صحف العاصمة، ترامب بأنه يمارس "إمبريالية على المنشّطات"، وكرّرت لازمة أن السيادة الهندية "غير قابلة للتفاوض"، فيما لاحظ مراقبون أن خطاب النخب والكتل الشعبيّة تجاه واشنطن بات "أكثر حدّة في النبرة، وأكثر تشدداً في الأسلوب من أيّ وقت مضى".

من جهته، وصف الرئيس الأميركي، الاقتصاد الهندي بأنه "ميت"، واتّهم نيودلهي بـ"استغلال" خصومات النفط الروسي لتعزيز صناعاتها بشكل غير عادل. وردّت وزارة الخارجية الهندية، معتبرة العقوبات "جائرة وغير مبرّرة"، فيما حذّرت قيادات المعارضة من أن ينتهي المشهد إلى استسلام محتمل أمام واشنطن، مستحضرة موقف رئيسة الوزراء الراحلة، أنديرا غاندي، التي لم تخضع لضغوط الرئيس الأميركي، ريتشارد نيكسون، إبان حرب استقلال بنغلاديش عام 1971.

ودعا النائب البارز عن حزب "المؤتمر" ووزير الدولة السابق للشؤون الخارجية، شاشي ثارور، إلى فرض رسوم مضادة على السلع الأميركية، بينما شدّد مالكارجون خاغري، رئيس الحزب الذي يُعدّ أكبر قوى المعارضة، على أن "أيّ دولة تعاقب الهند على استقلالها الإستراتيجي، لا تفهم الفولاذ الذي صُنعت منه".

ويقول خبراء إن وقف الهند شراء الخام الروسي - إنْ حدث - سيدفع بالأسعار العالمية إلى ما فوق الـ80 دولاراً للبرميل، ما يمنح موسكو إيرادات أعلى، حتى مع انخفاض الكميات المصدّرة. وهكذا، تأتي العقوبات بنتيجة عكسية: حرمان الهند من النفط الرخيص وزيادة عوائد روسيا في السوق الفورية. ويرى اقتصاديون هنود أن التحوّل إلى النفط من الدرجات الخليجية الأخف والأعلى كلفة، سيعني حتماً تحميل العبء المالي الإضافي للمستهلكين والموازنة العامة للدولة.

قد تمثّل "بريكس" بالنسبة إلى نيودلهي إحدى أوراق المناورة في مواجهة الصلف الترامبي

وتختلف هذه العقوبات الثانوية الأميركية عن الحظر النفطي المفروض على إيران، في أنها تتعلّق بمستوردين خارج صلاحية القضاء الأميركي، ما يوسّع نطاق الصراع الاقتصادي عبر العالم. وإذا استهدفت وزارة الخزانة مصافيَ هنديّة خاصة، من مثل مجموعة "ريلاينس"، من خلال النظام المالي الأميركي، وضيّقت على الائتمان والتحويلات البنكية، فإن نيودلهي قد تجد نفسها مدفوعة إلى تسريع تدويل الروبية لتسوية تجارتها الدولية بعملتها الوطنية، أو اللجوء إلى استخدام اليوان الصيني في المدفوعات، ويعني ذلك أن الهند قد تدفع ثمن وارداتها أو تتسلّم مقابل صادراتها من بعض الدول - مثل روسيا - باليوان، سواء عبر اتفاقات مباشرة مع بكين أو من خلال نظام المدفوعات الصيني (CIPS) الذي يلتفّ على شبكة "سويفت" الغربية.

وثمّة جانبٌ آخر يضغط على أعصاب نيودلهي، إذ وعلى رغم تلويح ترامب بفرض عقوبات ثانوية على بكين - أكبر مستوردي النفط الروسي على الإطلاق -، فإن ذلك لم يحدث إلى الآن، لأسباب منها مكانة الصين، وحجم اقتصادها المتنوّع الذي يبلغ 19 تريليون دولار، إضافةً إلى شبكات مدفوعاتها العاملة خارج النظام الدولاري. أمّا الهند، فتعتمد على استثمارات وتمويل دولاري لتغطية عجز الحساب الجاري، وتفتقر لبنية تحتية للطاقة تمكّنها من تنويع سلس لمصادرها، ما يجعل موقفها التفاوضي ضعيفاً بالمقارنة.

نظرياً، قد تمثّل "بريكس" بالنسبة إلى نيودلهي إحدى أوراق المناورة في مواجهة الصلف الترامبي، سواء عبر تعزيز الاصطفاف مع قوى الجنوب العالمي أو استخدام التكتل كقناة تفاوضية بديلة توازن علاقاتها مع واشنطن وموسكو وبكين. وكان الرئيس البرازيلي، لويس إيناسيو لولا دي سيلفا، دعا إلى قمة طارئة لقادة "بريكس" لصياغة ردٍّ مشترك على تعرفات ترامب، رافضاً ما اعتبره إذلالاً لبلاده بمفاوضات ثنائية، ومراهناً على أن مواقف منسّقة بين قوى المجموعة ستكون أقوى من أيّ ردود منفردة.

غير أنّ التنافس الصناعي بين الصين والهند، وحذر جنوب أفريقيا، وحساسية روسيا من أيّ قيادة بديلة للتجمّع، ما زالت تعيق هذا التطلّع، الأمر الذي انعكس بوضوح خلال زيارة رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، إلى بكين أخيراً، حيث طغت الملفات التجارية الثنائية على المحادثات، وانتهت من دون اتفاق جوهري حول تسوية الخلافات المستمرة في قطاع التصنيع أو تخفيف القيود على الواردات الهندية.

وعلى رغم الأجواء المشحونة، تلوح في الأفق فرصة دبلوماسية قد تخفّف الأزمة، في حال أحرزت قمّة ترامب - بوتين المرتقبة في آلاسكا يوم الجمعة المقبل، تقدُّماً في اتجاه تسوية الحرب الأوكرانية، ما قد يفضي إلى تلاشي موجبات فرض "العقوبات الثانوية" ، أقلّه مؤقتاً. غير أن الهند تظلّ مطالَبة بإعادة صياغة إستراتيجيتها الاقتصادية لتقليل هشاشتها أمام الضغوط الأميركية، عبر خفض تدريجي لواردات النفط الروسي مقابل حوافز جمركية، وتوسيع استخدام العملات البديلة عن الدولار كالروبية واليوان، مع الانخراط الفاعل في المسار النقدي لـ"بريكس"، وعدم استبعاد التصعيد برسوم مضادّة.

وكشفت الأزمة عن ارتباك حقيقي في موازين القوى داخل نظام تجاري عالمي مضطرب؛ حيث راعيته واشنطن تسلّح استعمال الدولار، وموسكو تغوي بخصومات الطاقة، وبكين تبني شبكات مدفوعات بديلة، ونيودلهي تبحث عن "مساحة مناورة" وسط منازلة العمالقة. وإذا نجح الرئيس البرازيلي لولا، في توحيد موقف "بريكس"، فقد تتحوّل حرب التعرفات إلى فرصة لإعادة هندسة النظام النقدي بعيداً من الهيمنة الأميركية، ما يصبّ في مصلحة مودي ويمنحه أوراق قوّة إضافية. أمّا إذا فشل، فالأرجح أن تواصل واشنطن سياسة "فرّق تسُد" حتى تلتهم "الثيران" الأبيض وسائر الألوان، واحداً واحداً.

وهكذا، وبينما يترقّب مودي قمّة آلاسكا، أملاً في تحقّق تسوية تخرجه من ورطته، يبقى عليه صياغة إستراتيجية تفاوض متماسكة، وإسناد جهود لولا لتنسيق المواقف مع شركاء "بريكس"، بما يعزّز موقعه في لعبة التعرفات ويحفظ شعبيته في أول اختبار جدّي لمكانة الهند الدولية منذ التعادل المريب في صراعها الأخير مع باكستان.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك