هجوم إيراني مضادّ: دومينو تقويض «المحور» لن يمضي
تكرّس زيارة لاريجاني إلى العراق ولبنان دعم إيران لحلفاء المقاومة في مواجهة الضغوط الأميركية والإسرائيلية ومحاولات فرض «النظام الأمني» الجديد في المنطقة.


طهران | بعد أقلّ من أسبوع على تولّيه مهامّ منصبه، توجّه أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، إلى العراق ولبنان، في زيارته الخارجية الأولى، في ما عُدَّ «إجراءً مدروساً» على طريق «إعادة تأهيل شبكة المقاومة»، في ظلّ اشتغال الولايات المتحدة وإسرائيل على تغيير النظام الأمني في المنطقة.
وممّا بات معلوماً، أنّ إسرائيل، وبعد الضربة التي تلقّتها في السابع من أكتوبر 2023 على يد حركة «حماس»، تسعى، مدعومةً من أميركا، لصُنْع نصرٍ من هذه الهزيمة، وقلْب المسار الذي فرضه عليها محور المقاومة لسنوات، ثمّ حشْره في مأزق وضائقة إستراتيجيَّين. وإذ أطلقت إسرائيل على هذه الخطّة تسمية «النظام الجديد»، فإنه لا يمكن إنكار واقع أنّ ضربات كبرى لحِقت بالمحور، خصوصاً منه حركة «حماس» في فلسطين، و«حزب الله» في لبنان، فيما تخضع مجموعات المقاومة في العراق لضغوط أميركية لنزع سلاحها أو حلّها، كما لم تسلَم حركة «أنصار الله» اليمنية من الضربات الأميركية - الإسرائيلية.
في الموازاة، هَدَفَ الهجوم الإسرائيلي - الأميركي المشترك على إيران، في حزيران الماضي، وباعتباره جزءاً رئيساً من خطّة «النظام الجديد» في المنطقة، إلى تسوية الحسابات مع محور المقاومة؛ وقبله، كان لسقوط بشار الأسد في سوريا، «العمود الفقري» للمحور، وقعٌ ثقيل على هذا الأخير.
لكنّ القصّة لا تنتهي هنا؛ فرغم استمرار الضربات ضدّ مختلف مركّبات المحور، فإنها لا تزال صامدة، وتتحرّك في اتّجاه إعادة تأهيل نفسها.
وفيما يبدو أنّ حرب الـ12 يوماً ضدّ الجمهورية الإسلامية، شكّلت صدمةً لمسؤولي هذا البلد، فإنّ هؤلاء بدأوا يفكّرون في التحرّك لترميم منظومتهم الدفاعية والأمنية، إلى جانب إعادة تأهيل شبكة حلفائهم في محور المقاومة، لئلّا يسمحوا لدومينو تقويض المحور بأن يستمرّ.
وهذه الضرورة، جعلت لاريجاني يزور العراق ولبنان، في أول جولة خارجية له، بعد أقل من أسبوع من تولّيه مهامّ منصبه، أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي؛ وهي الجولة التي تقرّرت في غمرة الجهود الرامية إلى نزع سلاح مجموعات المقاومة في بلدين اثنين: «الحشد الشعبي» في العراق والذي اضطلع كقوّة شعبية بدور قويّ في الدفاع عن البلاد خلال العقد الأخير في مواجهة الإرهاب التكفيري، و«حزب الله» في لبنان، بوصفه أهمّ عوامل الصمود في وجه الاحتلال الإسرائيلي على مدى العقود الأربعة الأخيرة.
ومع أنّ إيران تصرّفت بحذر إزاء دعم حلفائها في جبهة المقاومة، بيد أنّ خطر تقدُّم المشروع الأميركي - الإسرائيلي، دفعها إلى دخول الساحة من دون تكتّم، والإعلان بوضوح عن دعمها لحلفائها أمام الضغوط ومحاولات تغيير النظام الأمني للمنطقة.
«بدأت تحرّكات إيران وحلفائها الإقليميّين بجدول أعمال يقتضي إعادة تأهيل شبكة المقاومة»
إزاء ذلك، وضعت صحيفة «إيران» الحكومية، جولة لاريجاني في إطار «إعادة تأهيل شبكة المقاومة»، معتبرة أنها جاءت ردّاً على «المشروع الأميركي - الإسرائيلي الرامي إلى شطب محور المقاومة»، وعادّة إياها «مؤشّراً إلى عودة طهران الفاعلة إلى إدارة أمن المنطقة». ووفقاً للصحيفة، فإنّ «الزيارة أجريت في الوقت الذي تمرّ فيه المنطقة بوضع خاص (...) وفي هكذا أجواء، حيث ثمّة خطّة أميركية - إسرائيلية لفرض ترتيبات جديدة في غرب آسيا، إلى جانب الأطماع التوسّعية لإسرائيل على الأرض عبر حذف محور المقاومة، بدأت تحرّكات إيران وحلفائها الإقليميّين بجدول أعمال يقتضي إعادة تأهيل شبكة المقاومة. وهذه المعركة واضحة للعيان على الأقل في الساحتَين اللبنانية والعراقية».
من جهتها، نقلت صحيفة «شرق» عن المتخصّص في شؤون الشرق الأوسط، محمد صالح صدقيان، قوله إنّ زيارة لاريجاني تمثّل «خطوة مدروسة في مسار حسّاس»، وإنه رغم التطوّرات الأمنية التي تلت حرب الـ12 يوماً الأخيرة، فإنّ هذه الزيارة «تنطوي على أبعاد أمنية ودبلوماسية وتوصيل رسائل، فيما نجاحها أو فشلها، يمكن أن يؤثّر في الخريطة السياسية - الأمنية للشرق الأوسط برمّته». وقال صدقيان: «الرسالة الرئيسة للأمين الجديد للمجلس الأعلى للأمن القومي في إيران، كانت للعراق ولبنان، حيث شدّد على ضرورة حفظ الوحدة الداخلية وتحاشي الخلافات الاستنزافية والحدّ من التمهيد للتدخّلات الأجنبية. وهذه الرسالة، تُطرح في الوقت الذي تواجه فيه المنطقة أزمات متتالية وضغوطاً متزايدة من جانب اللاعبين الأجانب، وأيّ خطأ سياسي أو أمني، يمكن أن تستتبعه تداعيات واسعة لا يمكن تخيّلها».
أمّا صحيفة «جوان» القريبة من «الحرس الثوري»، فقد وصفت زيارة لاريجاني بـ«المهمّة المضادّة لمؤامرة أميركا في المنطقة»، واعتبرتها مرادفاً لهذين الأداءين والهدفين، وهما: «الجمهورية الإسلامية الإيرانية لن تتخلّى أبداً عن حلفائها وأصدقائها»، و«التذكير بالهواجس الأمنية ومؤامرات أميركا والكيان الصهيوني ضدّ المنطقة والبلدان الإسلامية».
وتابعت: «إنّ جولة لاريجاني تتخطّى كونها مهمّة ديبلوماسية، إذ تندرج ضمن رسالة أمنية صريحة وذكية وإستراتيجية للجمهورية الإسلامية، إلى المنطقة وخارجها.
وهذه الجولة جرت في الوقت الذي تمرّ فيه المنطقة بواحد من أكثر عهودها حساسية، ما بعد حرب غزة والزيادة غير المسبوقة للتصعيد بين إيران والكيان الصهيوني.
لكن الأهمّ من ذلك، أنّ الزيارة تتمّ بالضبط في الظروف التي اتّخذ فيها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مواقف هجومية معادية لإيران وحلفائها الإقليميين ليظهر مرّة أخرى أنّ سياسة الضغوط القصوى والتهديد وزعزعة الاستقرار، لا تزال تشكّل العمود الفقري للسياسة الخارجية الأميركية في غرب آسيا».
