تجارة تركيا - إسرائيل: تعميم بالمقاطعة... لا مقاطعة
أنقرة تواصل التحايل على قرارات وقف التجارة مع إسرائيل، عبر مسارات بديلة وشركات مموَّهة، ما يكشف ازدواجية الموقف ين خطاب التضامن مع غزة واستمرار المصالح.


رغم مضيّ نحو عامين على اندلاع موجة الحروب الإسرائيلية في أنحاء الشرق الأوسط، لا تزال تركيا ترفض التخلّي عن تجارتها مع إسرائيل. إذ استمرّت السفن التركية في الوصول إلى الموانئ الإسرائيلية بمعدّل نحو ثماني سفن يوميّاً، بعضها محمّل بالفولاذ والإسمنت والمواد المتفجّرة. وإذ اضطرّت الحكومة التركية أحياناً إلى نفي هذه الوقائع، فهي أعلنت، في أيار من العام الماضي، «تقليص» حجم المواد المصدَّرة إلى كيان الاحتلال، بعد الخسارة التي مني بها «حزب العدالة والتنمية» في الانتخابات البلدية (آذار 2024)، وتحميل التجارة مع إسرائيل جانباً مهمّاً منها.
ومع استمرار الاحتجاجات، أُجبرت الحكومة، في حزيران 2024، على إعلان وقف التجارة تماماً مع إسرائيل، وإن استمرّت في التحايل بتحديد وجهة جديدة لبضائعها: «دولة فلسطين»، في حين كانت السفن التركية المتّجهة إلى إسرائيل، تمرّ غالباً عبر موانئ دول ثالثة، قبل مواصلة رحلتها.
إلا أنه بعد تصاعُد وتيرة الاحتجاجات في الشارع التركي ضدّ التجارة مع إسرائيل، أصدرت السلطات التركية، قبل أيام، قراراً بمنع السفن التي تحمل العلم التركي من التوجّه إلى إسرائيل، فيما سيكون على السفن الأجنبية التي تمرّ بالموانئ التركية أن تقدّم وثائق تثبت أنها لا تحمل شحنات عسكرية إلى الكيان، وأنه لا تربط مشغّليها أيّ علاقات بتل أبيب، وذلك تحت طائلة منعها من الرّسو في الموانئ التركية.
وينصّ القرار، الذي جاء في صيغة شفهية - للمفارقة -، ولم تصدر وزارة التجارة التركية أيّ تأكيد أو نفي بخصوصه، على إخضاع مخالفيه لمسؤوليات قانونية ولدفع غرامات محدّدة، في حين أنه لا يغطّي تجاوزات التجارة مع إسرائيل، من مثل تلك التي تقوم بها شركة «إيتش داش» للحديد والصلب، وهي عضو في «جمعية الصناعيين المستقلّين ورجال الأعمال» الموالية للسلطة.
أصدرت السلطات التركية، قبل أيام، قراراً بمنع السفن التي تحمل العلم التركي من التوجّه إلى إسرائيل
وكانت المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة، فرانشيسكا ألبانيز، دعت إلى وقف شحنات الفولاذ من تركيا إلى الجيش الإسرائيلي، قائلة إنّ تلك المواد تستخدم في الإبادة الجماعية لسكان غزة. كذلك، احتجّ مواطنون في ميناء الإسكندرون على مواصلة شركة «ليماك» التركية التعامل مع إسرائيل، وقد تظاهروا أمام مقرّها، مطالبين إيّاها بوقف كلّ أنواع التعامل مع الكيان.
كما سُجّلت احتجاجات على تسيير السفينة «كاترين» المحمّلة بالذخيرة إلى إسرائيل، والتي منعت من الرّسو في موانئ إسبانيا وفي سلوفينيا والجبل الأسود ومالطا وأنغولا وناميبيا، لكنها تمكّنت في النهاية من الرّسو في ميناء «حيدر باشا» في إسطنبول في طريقها إلى إسرائيل. وإلى جانب واقعة «كاترين»، لم تحاول السلطات التركية منع شحنات النفط الآذربيجانية المارّة عبر موانئ مرسين والإسكندرون وجيحان، بحجّة أنها تخضع لاتفاقات دولية بين إسرائيل وآذربيجان، وأنّ تركيا ليست سوى بلد مرور لها.
ومن بين آخر الإشكالات التي رافقت علاقة أنقرة التجارية بتل أبيب أيضاً، «إعلان بوغوتا» في العاصمة الكولومبية، بمشاركة تركيا، والذي نوقشت فيه مسألة التجارة مع إسرائيل. إذ دان الإعلان الذي صدر عن «مجموعة لاهاي»، سلوك إسرائيل في غزة، لكن تركيا تأخّرت في التوقيع عليه، بحجّة أنّ الحديث عن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لا يناسبها، بعدما قيل إنّ سبب عدم التوقيع السريع جاء نتيجة رغبة في عدم التوقيع أساساً على بيان يدين إسرائيل؛ علماً أنّ تركيا وقّعت في المقابل على بيان مؤتمر «حلّ الدولتين» في نيويورك والذي يدعو إلى نزع سلاح «حماس» في غزة، وتخلّيها عن السلطة، ونقلها إلى مجموعة دُولية تدير الوضع في القطاع.
وتعليقاً على القرار الأخير، قالت صحيفة «قرار» إنّ تعميم الحكومة التركية شفهيّاً بوقف التجارة مع إسرائيل، هو تأكيد لحقيقة أنّ هذه التجارة لم تتوقّف أصلاً، رغم العديد من القرارات التي صدرت عن وزارة التجارة لوقفها، بل والنفي المتكرّر لوجودها أصلاً. وتساءلت: «كيف يمكن صدور قرارات بوقف التجارة مع إسرائيل عدّة مرات لو أنّ هذه التجارة كانت متوقّفة فعلاً منذ البيان الأول؟».
