سفارة في زامبيا: إسرائيل توسّع «أمّة المتصهينين»
توسّع إسرائيل وجودها في أفريقيا عبر زامبيا، موظِّفة أفكار «الصهيونية المسيحية» والتحالف الأميركي لفرض نفوذ استعماري جديد في القارة.


في موازاة تصعيدها العسكري في قطاع غزة، أوفدت إسرائيل وزير خارجيتها، جدعون ساعر، إلى زامبيا، الأسبوع الماضي، لإعادة افتتاح سفارتها المُغلقة منذ أكثر من 50 عاماً هناك. وتوّجت الخطوة المتقدّمة، العلاقات المتنامية بين الجانبين، فيما عُدَّت إشارة إلى تجدُّد اهتمام الكيان بتوسيع قاعدة وجوده الدبلوماسي في القارة الأفريقية.
إسرائيل وزامبيا: تفاهمات دائمة
تكتنف العلاقات الزامبية - الإسرائيلية (تعود إلى عام 1966) روابط بالغة الخصوصية. وتسود الدولة الأفريقية، التي تستهلّ ديباجة دستورها بالنَّصّ على أنها «أُمّة مسيحية»، أفكار «الصهيونية المسيحية»، وما يستتبعها من أهميّة «الحفاظ على إسرائيل»، وتفهُّم أن كلّ ما تقوم به الأخيرة في حقّ «خصومها» متّسق مع النبوءات الكتابية، ولا سيما تلك المتعلّقة «بآخر الزمان».
على أن غلق إسرائيل سفارتها في زامبيا قبل أكثر من خمسة عقود (في نهاية عام 1973، وبدعوة من «منظمة الوحدة الأفريقية» آنذاك)، لم يأتِ على خلفية أزمة ثنائية بين الجانبَين، بل حصل في ظروف حركة المقاطعة الدبلوماسية الأفريقية لإسرائيل، بعد عدوانها على مصر في حزيران 1967، وحتى حرب أكتوبر 1973.
وقد استأنف الجانبان علاقاتهما الدبلوماسية في عام 1991، فيما افتتحت لوساكا سفارة لها في تل أبيب في عام 2015. كذلك، شكّلت زامبيا الاستعمارية موئلاً لمئات اليهود الفارّين من الاضطهاد في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، علماً أنها لا تضمّ الآن سوى 11 يهوديّاً بعد فرار أغلبهم في أعقاب استقلال البلاد في عام 1964.
وتعهّد مسؤولون زامبيون، خلال زيارة ساعر بلادهم، بالالتزام بتعميق العلاقات مع إسرائيل، والبناء على خطوة الرئيس الزامبي، هاكيندي هيشيليما، بالمشاركة في اجتماعات «المنتدى العالمي للجنة اليهودية - الأميركية» في نيويورك في العام الجاري، لغاية تعزيز دور زامبيا المتصاعد في «التحالف الثلاثي الأطراف بين أفريقيا وإسرائيل والولايات المتحدة»، بينما تترقّب لوساكا استضافة قمة التكنولوجيا الزراعية الثانية لـ»اللجنة اليهودية - الأميركية».
من جانبه، فسّر ساعر خطّة إسرائيل لإعادة فتح سفارات لها في أفريقيا، انطلاقاً من زامبيا، بالنظر إلى «الصلات القديمة والقيم المشتركة معها كأمّة من المؤمنين» (بالأفكار الصهيونية). أيضاً، حملت زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي وعوداً بتعميق التعاون الاقتصادي بين الجانبَين، في قطاعات الزراعة والصحة، والتوسّع في برنامج المنح التعليمية للطلاب الزامبيين؛ وهي القطاعات التي عوّلت عليها إسرائيل تقليديّاً في نظرتها إلى الدول الأفريقية منذ خمسينيات القرن الماضي (إضافة إلى قطاع التعاون الأمني والاستخباري).
يُذكر أن إسرائيل تستضيف في صحراء النقب، مئات الطلاب الزامبيين الذين يتخصّصون في مجال الزراعة، وهي قدّمت لهم دورات تخصصية في إدارة المياه، والأمن الغذائي والابتكار الزراعي.
زامبيا منصة انطلاق إسرائيلية في أفريقيا؟
احتفت اللجنة اليهودية - الأميركية (25 الجاري) بتطوّر العلاقات الإسرائيلية - الزامبية، واعتبرته مؤشراً دالّاً على توسّع الوجود الإسرائيلي في أفريقيا، ومثالاً جديداً على جدوى هذا التوسّع. ولفتت اللجنة إلى أن خطوات إسرائيل نحو زامبيا تجسّد تجدّد الاهتمام الإسرائيلي بأفريقيا، «كجزء من استراتيجية إقليمية (إسرائيلية) أوسع نطاقاً»، تضاف إلى نموّ علاقاتها مع «رواندا ونيجيريا وإثيوبيا وتشاد والسودان».
ويبدو أن هذا التطوّر يقوم في جوهره على توظيف أفكار دينية لوضع أسس لتعاون إسرائيلي - أفريقي - أميركي، وعلى نحو يتّسق مع طبيعة الحكومة الإسرائيلية المتطرّفة، وفهمها لمقدّرات توظيف «الصهيونية المسيحية» أفريقيّاً. وتجلّى ذلك في مجمل تصريحات ساعر خلال وجوده في لوساكا، ووصفه علاقات الكيان بزامبيا، بأنها «بين مؤمنين».
وعلى نطاق أوسع، يمكن فهم هذا التوجّه الإسرائيلي، وآفاق تعمّقه، ضمن مقاربة أميركية - أوروبية لاحتواء زامبيا اقتصادياً وسياسياً، وعبر رافعة محدّدة للغاية: مشروع «ممرّ لوبيتو»، الذي يهدف إلى تيسير نقل الموارد المعدنية في أنغولا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا عبر المحيط الأطلسي، علماً أن واشنطن وعواصم غربية أخرى تعهّدت بتمويله بقيمة أربعة مليارات دولار.
وبعد زيارة ساعر بساعات، أعلنت شركة الكهرباء الوطنية في زامبيا تأسيس مشروع مشترك مع مجموعة «أنزانا» للكهرباء بقيمة 300 مليون دولار لتوفير إمدادات الكهرباء لنحو مليوني زامبي يقطنون في نطاق «ممرّ لوبيتو» حتى عام 2030. ووُصف المشروع بأنه الأحدث في الممرّ، وأنه لا يمكن فصل الوجود الإسرائيلي عن تطوّراته، ولا سيما أن الاتفاق مع مجموعة «أنزانا» حظي بدعم مستثمرين أميركيين أفراد، وشركة «Gridworks Development Partmers» المملوكة للحكومة البريطانية. ويعزّز ما تقدّم، سياسات توظيف قوى إقليمية (مثل الهند وإسرائيل) في هذا المعبر الحيوي، الذي لا ينفصل عن المواجهات الأميركية الراهنة مع عدد من الفاعلين في أفريقيا، وفي مقدّمهم الصين.
وتمثّل زامبيا، انطلاقاً من الهجمة الأيديولوجية الراهنة التي يقودها ترامب وأعوانه في أفريقيا، قاعدة مهمّة، لوقوعها في أفريقيا الجنوبية (أو خط المواجهة الأول بين ما يُعرف بالجنوب العالمي وقوى الاستعمار الاستيطاني التقليدية السابقة في القارة)، ووفرة الموارد المعدنية المهمّة فيها (وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية وأنغولا، والتي تشكّل معاً حاضنة ممرّ لوبيتو)، وترسّخ أفكار المسيحية الصهيونية داخلها.
إسرائيل وأجندة هيشيليما لانتخابات 2026: دعم كامل
زخّم التقارب الزامبي - الإسرائيلي، والدعم الأميركي الكبير له، فرص نجاح الرئيس هيشيليما في الانتخابات الرئاسية المُقرّرة في العام المقبل. فقد جاء التقارب وسط نجاحات اقتصادية مهمّة للرئيس، من مِثل خفض أسعار الوقود بعد استدامة العمل في خط أنابيب «تازاما» الذي ينقل الغازولين من تنزانيا إلى زامبيا، ويغطّي نحو 80% من حاجات الأخيرة.
وأثار تجديد العمل بالخط (2023) انتقادات كبيرة وقتها على خلفية اتّباع سياسة نزع الأراضي من المواطنين بالقوّة، فيما يبدو أن هيشيليما نجح في تأمين تمديد العمل ببرنامج «صندوق النقد الدولي» الموجّه لبلاده لمدّة عام آخر، لينتهي في تشرين الأول 2026. كما يحظى هيشليما بتأييد كبير، وغير مسبوق، من إسرائيل وجماعات يهودية فاعلة في الولايات المتحدة، إذ نقل خلال مشاركته في «المنتدى العالمي للجنة اليهودية - الأميركية 2025»، رسالة قوية مفادها أن زامبيا تأتي في بؤرة تحالف ثلاثي نامٍ بين أفريقيا وإسرائيل والولايات المتحدة، مُرجِعاً ذلك إلى تركيز لوساكا على ما قال إنه «القيم المشتركة والمبادئ الديمقراطية والابتكار والفرصة الاستراتيجية».
