
تزداد، عاماً بعد آخر، التغطية الغربية لـ«المناسبات» التي تستضيفها دول من مِثل الصين وروسيا، «ارتياباً»، خصوصاً مع ازدياد عدد المشاركين الدُّوليين فيها، في موازاة تراجع «السردية» الغربية، على وقع سياسات الإبادة والابتزاز الغربية، ما يفسح المجال أمام «سرديات بديلة» لملء الفراغ.
وطوال أسبوع حافل في الصين، حيثُ أقيمت، في الأول من الشهر الجاري، قمّة أمنية في تيانجين، تلاها، أمس، استعراض عسكري ضخم في بكين، لمناسبة الذكرى الـ80 للانتصار في «حرب المقاومة الشعبية الصينية» ضدّ العدوان الياباني وانتهاء الحرب على الفاشية، عمدت الصين وروسيا، جنباً إلى جنب عدد من حلفائهما، إلى تسليط الضوء على دورهما في «النصر» المشار إليه، والذي غالباً ما يُنسب للقوى الغربية الفضل الأكبر فيه.
ومحاطاً، للمرّة الأولى، بكل من الزعيمَين الروسي فلاديمير بوتين، والكوري الشمالي كيم جونغ أون، حضر الرئيس الصيني، شي جين بينغ، العرض العسكري الذي شارك فيه نحو 10 آلاف جندي، وسط حضور جماهيري فاق الـ50 ألفاً. وفي أثناء العرض، أكّد شي أنّ «البشرية تجد نفسها، اليوم، أمام خيار الحرب أو السلام»، مشيراً إلى أنّ «الشعب الصيني يقف بحزم على الجانب الصحيح من التاريخ». وممّا قاله شي أيضاً: «قدّم الشعب الصيني تضحيات وطنية كبرى، ومساهمات في إنقاذ الحضارة الإنسانية وحماية السلام العالمي».
ولم تمرّ المناسبة من دون تعليق من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي كتب في منشور عبر «تروث سوشال»: «أتمنّى للرئيس شي والشعب الصيني الرائع يوماً عظيماً من الاحتفال الدائم»، وتابع: «أرجو أن تقدّموا أطيب تحياتي إلى فلاديمير بوتين وكيم جونغ أون، فيما تتآمرون ضدّ الولايات المتحدة الأميركية».
لقاءات قبيل العرض
وفي لقاء ثنائي بين الرئيسَين الصيني والروسي، قبل يوم من الاستعراض، أشاد شي بدور كل من الاتحاد السوفياتي والصين في إنهاء الأعمال العدائية في الحرب العالمية الثانية، مشيراً إلى أنّ بلديهما كانا «المنتصرَين الرئيسَين» في تلك الحرب، وأنهما مصمّمتان على «حماية نتائج هذا الانتصار، وتضغطان من أجل نظام دُولي أكثر عدلاً وإنصافاً». أمّا بوتين، فخاطب «صديقه العزيز» شي، بالإشارة إلى أنّ «النصر في الحرب العالمية الثانية هو دليل على استعداد كلا البلدَين للدفاع عن الحقيقة التاريخية والعدالة»، مضيفاً: «كنّا معاً في حينه، ونبقى معاً الآن». وفي هجوم مباشر على الغرب، قال بوتين إنّ رؤية شي للحوكمة العالمية كانت «مطلوبة بشكل ملحّ»، في وقت تعاني فيه «القيادة العالمية من العجز».
تبرز دعوات لإعادة تقييم موقف الصين ودورها في الحرب العالمية الثانية
ووقّع وفدا البلدَين 22 وثيقة تعاون، في المجالات الاقتصادية والإعلامية والثقافية، على رأسها إبرام شركة «غازبروم» اتّفاقاً للتعاون الإستراتيجي مع «شركة البترول الوطنية الصينية». وفي اليوم نفسه، انعقد اجتماع ثلاثي هو السابع من نوعه بين زعماء كل من روسيا والصين ومنغوليا في قاعة «الشعب الكبرى»، في وقت تتعاون فيه الدول الثلاث في عدد من المجالات، وفي مقدّمها قطاع الطاقة؛ إذ يُعدّ بناء خطّ أنابيب الغاز «سويوز فوستوك» إلى الصين عبر منغوليا كاستمرار لخطّ أنابيب «سيبيريا 2»، مشروعاً محوريّاً للدول الثلاث.
وكان لافتاً اللقاء الذي جمع بوتين إلى كيم، وأشاد الأول عبره، بـ«شجاعة وبطولة الجنود الكوريين الشماليين الذين قاتلوا إلى جانب القوات الروسية»، لصدّ التوغّل الأوكراني في منطقة كورسك الحدودية. من جهته، شدّد كيم على أنه «إذا كان هناك أيّ شيء يمكنني القيام به من أجلك ومن أجل شعب روسيا، وإذا كان هناك المزيد الذي يتعيّن القيام به، فسأعتبره واجباً أخويّاً، والتزاماً يتعيّن علينا بالتأكيد الوفاء به، وسنكون على استعداد للقيام بكل ما هو ممكن للمساعدة». وعلى غرار بوتين، كان الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، قد مدّد إقامته في الصين بعد حضوره «قمّة شنغهاي»، لحضور العرض العسكري، والتقى، أمس، نظيره الصيني.
«ذاكرة الحرب»
بالعودة إلى الاستعراض العسكري، ورد في تقرير نشرته «نيويورك تايمز»، نقلاً عن جوناثان تشين، وهو زميل في «مؤسسة بروكينغز»، عمل سابقاً في «وكالة الاستخبارات المركزية» في تحليل السياسة الصينية، أنّ «نجاح إستراتيجية شي في السياسة الخارجية، ينعكس في موكب الزعماء المسافرين إلى الصين». وبحسب الصحيفة، ترسّخ خطابات الرئيس الصيني حول تلك المناسبة، سردية أنّ بلاده والاتحاد السوفياتي شكّلا ساحتَين حاسمتَين في المعركة، بعدما قدّما عشرات الملايين من الضحايا. والأهمّ بالنسبة إلى بكين، أنّ مثل تلك المناسبة هي بمثابة تذكير صارخ بأنّ الحلفاء الغربيين تجاهلوا الاتفاقات التي تمّ التفاوض عليها أثناء الحرب وبعدها، والتي كان من شأنها أن تدعم مطالبة الصين الإقليمية بتايوان. وطبقاً لما نقلته الصحيفة نفسها عن علماء في «معهد بروكينغز»، فإنه إلى جانب «الروعة العسكرية والتذكير بمساهمة هذه الأمم في المجهود الحربي، فإنّ المسيّرات هي جزء من (حرب الذاكرة) المستمرّة». ورغم إقرار الرئيس الأميركي الأسبق، فرانكلين روزفلت، بأنّ «الشعب الصيني كان أول مَن وقف وقاتل المعتدين في هذه الحرب»، لطالما اعتبرت «الجمهورية الشعبية» أنّ تضحياتها وجهودها الحربية، تمّ تجاهلها إلى حدّ كبير من منظور تاريخي تقليدي يتمحور حول أوروبا، ما دفع العديد من الخبراء للدعوة إلى «إعادة تقييم موقف الصين ودورها» في الحرب العالمية الثانية.
من منظور بكين، شكّلت حرب المقاومة الشعبية الصينية ضدّ اليابان، «الطلقة الأولى» ضدّ المحور المعادي في الحرب، فيما لم يعترف بها المجتمع الدُّولي بشكل كامل، طبقاً لِما تؤكّده رانا ميتر، أستاذة التاريخ ومديرة مركز الدراسات الصينية في «جامعة أكسفورد»، لصحيفة «الشعب» الصينية.
وفي كتابها «الحليف المنسي: حرب الصين العالمية الثانية، 1937-1945»، تركّز ميتر على الحرب التي استمرّت ثماني سنوات ضدّ اليابان، والتي بدأت قبل عامين من غزو النازيين لبولندا، وهي المحطّة التي ينظر إليها على نطاق واسع على أنّها «نقطة البداية» في الحرب العالمية الثانية. وفي المدّة الممتدّة من 1931 إلى 1945، قُتل ما مجموعه 1.5 مليون جندي ياباني على الأراضي الصينية، وهو ما يمثّل 70% من خسائر اليابان في الحرب العالمية الثانية. وبحلول نهاية الحرب، كان 64% من الجيش الياباني في الصين، أي حوالى 1.28 مليون جندي، عندما استسلمت اليابان.
في الوقت عينه، قدّمت الصين، في أثناء حربها التي استمرّت 14 عاماً، ما مجموعه 35 مليون شخص بين قتلى وجرحى مدنيين وعسكريين، فيما بلغت خسائرها الاقتصادية 600 مليار دولار. وقد دفع ذلك بزعيم الاتحاد السوفياتي، جوزف ستالين، إلى التأكيد أنّه «فقط عندما تمّ تقييد أيادي وأرجل الغزاة اليابانيين، تمكنّا من تجنّب القتال على جبهتين عندما غزا الألمان».
في ضوء ما تقدّم، أوردت مجلة «فورين بوليسي» الأميركية تقريراً جاء فيه أنّ «العرض العسكري في بكين هذا العام ليس مجرّد عرض احتفالي للقوات والأسلحة، بل عمل منسّق بعناية من الاتصالات الإستراتيجية، ينسج رسائل القوّة العسكرية، والموقع الديبلوماسي، والروايات التاريخية، الموجّهة إلى الجماهير في الداخل والخارج»، فيما يبقى «العنصر العسكري، تحديداً، مصمّماً للولايات المتحدة واليابان وتايوان وجيران الصين البحريين بقدر ما هو مصمّم للجمهور المحلّي».

