العقوبات تسلك مسارها | إيران بين حدَّيْن: التفاوض يظلّ ممكناً
تعود العقوبات لتضغط على إيران، بين مسار تفاوض مفتوح بشروطها، وخيار مواجهة أشدّ مع الغرب، في ظلّ تمسّكها ببرنامجها النووي.


طهران | عاد الملفّ النووي الإيراني إلى الواجهة مجدّداً، مع انعقاد جولة مفاوضات بين الإيرانيين ومسؤولي «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» في فيينا، أمس، لتحديد صيغة جديدة للتعاون بينهما، وأيضاً في موازاة لقاء جمع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أول من أمس، إلى مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كلاس، بعدما فعّلت الترويكا الأوروبية آلية العقوبات الدولية ضدّ طهران.
وأعلن ممثّل إيران الدائم لدى مكتب الأمم المتحدة في فيينا، رضا نجفي، عن انعقاد جولة جديدة من المحادثات بين الوفد الإيراني ومسؤولي الوكالة، علی مستوی الخبراء، استكمالاً للمشاورات بين الجانبَین بهدف تحديد إطار التعاون في ظلّ القانون الذي سَنَّه البرلمان الإيراني، والقاضي بتعليق التعاون مع الهيئة الأممية مؤقّتاً.
وكان المدیر العام للوکالة، رافايل غروسي، حذّر، الأربعاء، من أن المحادثات مع إيران لاستئناف عمليات التفتيش «لا يمكن أن تستمرّ لأشهر»، وأنه يجب أن تتوصّل إلى نتيجة خلال الأيام المقبلة، مؤكداً أن التفتيش الأخير لمحطّة «بوشهر» مثّل «نموذجاً محدوداً». وتبدّت مخاوف غروسي الرئيسية في شأن مخزونات اليورانيوم الإيراني المخصّب عند مستوى 60%، والتي بقيت من دون رقابة عقب الهجمات الإسرائيلية والأميركية على إيران، في حزيران الماضي. وقال غروسي: «نتوقّع أن تكون الكمية الرئيسية من المواد في مكانها، لكن يجب دراستها».
وانطوت هذه التصريحات على تحذير من أن الغموض الذي يلفّ المخزونات النووية الإيرانية، يمكن أن يتحوّل إلى أزمة جديدة في العلاقات بين الجانبين؛ إذ لفت غروسي إلى أن إيران لا تزال تحتفظ بقدراتها على إنتاج أجهزة طرد مركزي جديدة، ما يضاعف من المخاوف التقنية للغرب.
وفي هذا الإطار، يُظهر تقرير سرّي للوكالة الدولية حصلت وكالة «أسوشيتد برس» على نسخة منه، أن إيران كانت خزّنت، قبل هجمات الـ13 من حزيران، نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم العالي التخصيب، وهو ما يشير إلى زيادة قدرها 32 كيلوغراماً، مقارنة بشهر أيار؛ علماً أن كل نحو 42 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصّب عند مستوى 60%، ستكون كافية لصنع قنبلة ذرية إذا ارتفعت نسبة تخصيبه إلى 90%، ما يعني أن إيران تمتلك في الوقت الراهن يورانيوم مخصباً يكفي لإنتاج 10 قنابل ذرية.
وعلى رغم أن الوكالة الدولية لم تقل صراحة إن ايران تتحرّك في اتّجاه التسليح، بيد أن وقف عمليات التفتيش بعد الهجمات، وحصر الوصول بموقع «بوشهر»، أدّيا إلى تزايد الشكوك حيال شفافية أنشطة طهران النووية.
ترغب طهران في عدم إغلاق باب التفاوض، وأن تبقى على اتصال مع أوروبا
وأكّد المسؤولون الإيرانيون، في الأيام الماضية، أن «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» أقرّت بأن الظروف الحالية بحاجة إلى «إطار جديد للتعاون» بين طهران وفيينا، و»طالما لم يتم حسم هذا الإطار في المحادثات بين الطرفين، فإن أيّ تعاون جديد لن يحصل». أيضاً، جاء اجتماع عراقجي إلى نظيرته الأوروبية، كالاس، في الدوحة، بعد نحو أسبوع من بدء دول الترویکا الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا)، عملية تفعيل «آلية الزناد» للعودة التلقائية إلى العقوبات الدولية، بسبب ما وصفته بـ»عدم امتثال طهران لالتزامات الاتفاق النووي لعام 2015» (خطة العمل الشاملة المشتركة).
وثمة ما يشاع حول أن الأطراف الأوروبية تسعى إلى حلّ يسمح لمفتشي الوكالة بالوصول إلى المنشآت النووية الإيرانية، ويوضح مصير احتياطيات اليورانيوم العالي التخصيب الإيرانية. كذلك، أفادت وسائل إعلام إيرانية بأن وزير الخارجية أكّد، خلال اجتماعه بكالاس، «التزام الجمهورية الإسلامية الإيرانية المستمر بالمسار الدبلوماسي»، وقال إن «إيران جادّة وثابتة على هذا الموقف»، داعياً إيّاها إلى اتّخاذ خطوات للوفاء بمسؤولياتها بما يتماشى مع القرار 2231، و»تحييد الحركات المعادية للدبلوماسية».
وفي سياق متّصل، ناقش أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإیراني، علي لاريجاني، في اتصال مع مستشار الأمن القومي البريطاني، جوناثان باول، آخر المستجدات. ووفقاً لوسائل الإعلام الرسمية، اتّفق الطرفان على مواصلة الاتصالات، للتوصّل إلى مقاربة دبلوماسية، وهو ما يعبّر عن رغبة طهران في حفظ مسار المحادثات مع أوروبا، حتى في الظروف التي وصلت فيها العلاقات مع أميركا إلى طريق مسدود. وكان لاريجاني أدلى، في وقت سابق، بتصريحات يُستشفّ منها أن طهران لا ترفض المفاوضات، وإنْ غلّفها بشروط؛ إذ قال: «(إنّنا) نريد محادثات عقلانية حقاً، لكنّ الأميركيين يريدون من خلال إثارة قضايا من مثل تقييد البرنامج الصاروخي، إغلاق مسار المفاوضات».
وبالتوازي مع هذه التطوّرات، فُعّلت عملية عودة العقوبات الأممية على إيران عن طريق «آلية الزناد»، في نهاية آب الماضي. ووفقاً لـ»خطة العمل الشاملة المشتركة»، فإن العقوبات ستعود بصورة تلقائية بعد 30 يوماً من تفعيل الآلية، إلّا في حال اتّخذ مجلس الأمن الدولي قراراً آخر، وهو ما يبدو مستبعداً في ظلّ الفيتو الأميركي والمواقف الأوروبية.
من جهتها، وصفت إيران الإجراء بأنه «غير قانوني»، محذّرةً من أنها ستقلّص تعاونها مع الوكالة الدولية، في حال عودة العقوبات. وقال وزير النفط الإيراني إن بلاده لديها الخبرة الكافية للالتفاف على العقوبات، وإن مبيعات النفط لن تتوقّف. وعلى الصعيد الدولي، طالبت روسيا بتأجيل التنفيذ الكامل للآلية، كما اتّخذت الصين موقفاً داعماً لإيران، لكن يبدو أن طريق إعادة العقوبات بات سالكاً أكثر من ذي قبل.
وتظهر التركيبة الناتجة من تصريحات غروسي وتقرير الوكالة والمواقف الرسمية لإيران وحراكها الدبلوماسي، أن الساحة النووية الإيرانية تقف على عتبة ثنائية جديدة. فمن جهة، ترغب طهران في عدم إغلاق باب التفاوض، وأن تبقى على اتصال مع أوروبا؛ ومن ناحية أخرى، فإن جعل التعاون مع الوكالة مشروطاً، ورفضها أيّ قيود على برنامجها الصاروخي أو سعة التخصيب، كل ذلك يظهر أنها غير مستعدّة للتراجع عن خطوطها الحمر.
وبينما يسعى الأوروبيون والوكالة الدولية بأداة الضغط القانوني (آلية الزناد) والفني (التفتيش الفوري) إلى إرغام إيران على التراجع، تعوّل هذه الأخيرة على المقاومة الفنية والخبرة الاقتصادية لمواجهة العقوبات. وحصيلة اختبار القوّة هذا، يمكن أن تتبدّى في سيناريوَين: إمّا العودة المحدودة إلى طاولة المفاوضات والاتفاق المؤقّت لخفض التصعيد، وإمّا خوض مرحلة جديدة من المواجهة وعقوبات أقسى.
