خوسيه بيومورجي: الدخول العسكري إلى فنزويلا صعب، والأصعب الخروج منها
يؤكّد السفير الفنزويلي في بيروت أن الهدف الحقيقي من وراء التصعيد الأميركي المحموم ضدّ فنزويلا يندرج ضمن المساعي الأميركية للهيمنة ومصادرة ثروات البلاد النفطية، مشدداً أن دخول فنزويلا عسكرياً أصعب من الخروج منها.


■ مزاعم مكافحة المخدّرات كاذبة
■ أميركا تريد انقلاباً عسكرياً على مادورو
تعيش فنزويلا منذ سنوات مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة وحلفائها، تتصاعد في غضونها الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية على حكومة الرئيس نيكولاس مادورو.
ومنذ فرض العقوبات المالية الخانقة التي استهدفت شريان الاقتصاد الفنزويلي، مروراً بحملات العزل الدبلوماسي ودعم الحملات الانقلابية، وليس انتهاءً باتهامات دعم «الإرهاب» و«تهريب المخدّرات» التي تُستخدم لتبرير حصار بحري مُقنّع، وجدت كاراكاس نفسها في قلب معركة سيادة وجودية. غير أن هذا التصعيد لم ينجح في كسر إرادة الدولة البوليفارية، بل قوبل بإصرار على تعزيز الدفاعات الوطنية، وتوسيع الشراكات مع قوى دولية صاعدة مثل الصين وروسيا وإيران، وسط مساعٍ للانخراط في تكتّلات الجنوب العالمي.
أما داخلياً، ورغم الأزمات، فصمدت برامج الرعاية الغذائية والصحية والسكنية، واستمرّ الالتفاف الشعبي حول المشروع البوليفاري، مدفوعاً بروح وطنية ترى في الدفاع عن السيادة مسؤولية جماعية. وفي الوقت الذي أعلنت فيه واشنطن، أخيراً، مضاعفة مكافآتها المالية مقابل تقديم معلومات للقبض على الرئيس المُنتخب، فهي حشدت أيضاً قواتها البحرية قرب السواحل الكاريبية تحت شعار «مكافحة تهريب المخدّرات»، واستدعت أخيراً مقاتلات حربية من طراز «F35».
إزاء ذلك، يؤكد السفير الفنزويلي في لبنان، خوسيه بيومورجي، في حوار مع «الأخبار»، أن تصعيد الولايات المتحدة المحموم ضد فنزويلا، يندرج ضمن المساعي الأميركية للهيمنة، قائلاً: «الولايات المتحدة دائماً تبحث عن ذريعة لتبرير تدخّلها، سواء الحديث عن ديكتاتورية، أو اتهامات بالإرهاب بتهريب المخدّرات، أو حتى وصم النظام بالشيوعية. لكنّ الحقيقة أن الدافع الأساسي هو النفط والأموال».
كذلك، يشير بيومورجي إلى أن الأزمات الداخلية الأميركية تدفع واشنطن دوماً إلى تصدير مشاكلها إلى الخارج. وفي هذا الإطار، يقول إن «هناك ضغوطاً كبيرة على الرئيس ترامب، سواء من قاعدته الشعبية أو من ملفات شائكة (من مثل فضيحة جيفري إبستين التي يتهم كثيرون من تيار «ماغا» ترامب بالتورّط فيها)، لذلك يلجأ دائماً إلى إثارة قضايا خارجية لصرف الأنظار». وبحسبه، «بدأ ذلك بالملف الأوكراني حين أقام قمة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في آلاسكا، نالت اهتمام وسائل الإعلام كافة، ثم تحوّل إلى فنزويلا».
ويضيف أن الغاية من ما تقدّم مرتبطة أيضاً بالانتخابات الأميركية، ولا سيما في ولاية فلوريدا حيث للّوبي اللاتيني تأثير كبير؛ إذ إن «الخلافات داخل الإدارة الأميركية، وخصوصاً بين نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو المدعوم من اللوبي اللاتيني من جهة أخرى، تلعب دوراً أساسياً في التصعيد ضد فنزويلا، نظراً إلى أن اللوبي اللاتيني في فلوريدا، المدعوم جزئياً من شبكات مرتبطة بالمخدّرات، غير راضٍ عن أي تقارب مع حكومة مادورو، ما يدفع واشنطن إلى تصعيد الضغط».
وفي ما يتعلق بالعسكرة الأميركية في البحر الكاريبي والتي وصفها مادورو بأنها «أكبر تهديد تشهده قارّتنا خلال الأعوام المئة الماضية»، يرى بيومورجي أن الهدف منها «لا يرتبط بمكافحة المخدّرات كما تزعم واشنطن، إنّما بمحاولة الضغط على الجيش الفنزويلي ودفعه إلى الانقلاب على الرئيس مادورو»، لافتاً إلى أن «فنزويلا كانت في طليعة الدول التي ساهمت في تحرير دول في أميركا اللاتينية قبل قرنين، واليوم لا تزال شعوب المنطقة تدرك أن فنزويلا لا تقبل الإملاءات».
وإذ يرفض الرواية الأميركية بشأن تهريب المخدّرات عبر فنزويلا، فهو يشير إلى أن «70% من تجارة المخدّرات تأتي من كولومبيا، و30% من الإكوادور وبيرو، بينما لا تتجاوز النسبة التي تمر عبر البحر الكاريبي 5%، بحسب تقارير الأمم المتحدة». ويعتبر أن الهدف من اتهام ضباط الجيش الفنزويلي بإنشاء ما يُسمى «كارتيل الشمس» هو «مجرّد محاولة لتشويه المؤسسة العسكرية، الغاية منها ضرب سمعة الجيش تمهيداً لإضعافه وتشجيع الانقسام».
ويشير، في الوقت نفسه، إلى «وجود مشروع تعاون أمني لمكافحة المخدّرات بين فنزويلا وكولومبيا، نشر بموجبه الجانب الفنزويلي نحو 25 ألف ضابط، فيما نشر الجانب الكولومبي قرابة 15 ألفاً»، لافتاً إلى أن فنزويلا طردت «وكالة مكافحة المخدّرات الأميركية» (DEA) منذ سنوات، بعدما تبيّن دورها في التغطية على شبكات تبييض الأموال المرتبطة بالمصارف الخاضعة للنفوذ الأميركي»، مضيفاً أن فنزويلا «صادرت خلال عام أكثر من 35 طناً من المخدّرات العابرة من كولومبيا عبر أراضيها».
وحول إعلان واشنطن رفع قيمة المكافأة مقابل الإدلاء بمعلومات للقبض على الرئيس الفنزويلي إلى 50 مليون دولار، يقول إن ذلك «رسالة واضحة بأن الإدارة الأميركية تدعم أي محاولة للنيل من الرئيس مادورو، عبر تشجيع مرتزقة أو مجموعات معارضة للقيام بهذا الدور»، مستدركاً بأن «الكل يعرف مكان وجود الرئيس، بمن في ذلك أميركا».
أما في خصوص استعدادات فنزويلا لأي تصعيد عسكري أميركي محتمل، فيذكّر بيومورجي بأن «الرئيس مادورو كان واضحاً حين قال إنه لا فرصة لدخول الأميركيين إلى البلاد»، مشيراً إلى أن «فنزويلا تعبّئ شعبها وتعمل على تعزيز قدراتها الدفاعية». وحيال دعوة تعبئة الشعب، لفت إلى أن ما يُعرف بـ«الميليشيا البوليفارية الوطنية» التي تعود جذورها إلى عهد هوغو تشافيز، تشكّل سنداً رديفاً للمؤسسة العسكرية. وبحسبه، فإن «أكثر من أربعة ملايين ونصف مليون مواطن لبّوا نداء الرئيس مادورو للانخراط في مهام الدفاع عن الوطن».
ويضيف: «تاريخياً، لم تقبل فنزويلا أي تدخل خارجي. وقد نختلف داخلياً حول السياسات، لكن حين يتعلق الأمر بالسيادة الوطنية، يتوحّد الشعب صفاً واحداً»، مشدّداً على أن فنزويلا «دولة قوية بكل أطرافها: الجيش، الشعب، والحزب الاشتراكي»، وهو ما عدّه «ضمانة أساسية لردع أيّ عدوان».
وانتقالاً إلى سؤال عن القدرة الدفاعية الفنزويلية وما إذا كانت تحالفات خارجية رفدت كاراكاس بالقوة الدفاعية، يجيب بيومورجي بأن في فنزويلا «دولة قوية. نحن نعتمد أولاً على أنفسنا، لكننا نعمل على الانفتاح نحو تحالفات جديدة تضمن استقرار الاقتصاد والسيادة الوطنية». وحول احتمال أن تؤدّي عسكرة الكاريبي إلى نشوء توازن ردع جديد تشارك فيه دول أميركا اللاتينية، يرى السفير أن «صورة فنزويلا في الإقليم راسخة منذ قرنين حين ساهمت في تحرير بلدان عديدة، لكن واقع اليوم مركّب: ثمة حكومات تقدّمية عادت إلى الحكم، إلا أن وجود قواعد أميركية في تلك البلدان والضغوط السياسية التي تتعرّض لها، قد يحدّ كلّ ذلك من تشكّل جبهة موحّدة ضاغطة».
وحول أسباب التفاف الشعب حول المشروع البوليفاري رغم الأزمات، يقول السفير إن «الفنزويليين لا يقبلون أن يُملى عليهم ما يجب أن يفعلوه من الخارج»، مذكّراً بأن «تجربة 2015 - حين وعد ائتلاف المعارضة بإسقاط الرئيس بعد فوزه بالبرلمان بأغلبية مريحة بلغت 112 من أصل 167 مقعداً - أظهرت للشعب أن خصوم الحكومة لا يملكون حلولاً اقتصادية حقيقية، ومن هنا، تعزّز الالتفاف الشعبي حول مادورو كرمز للدفاع عن السيادة الوطنية».
ولدى سؤاله عن الرؤية الفنزويلية للتعافي بعد عقوبات قاسية استهدفت البلاد، وما تلاها من تضخّم، يستعرض السفير مسار الاقتصاد الفنزويلي، قائلاً إن «إنتاج النفط كان قبل 2014 يصل إلى 3 ملايين برميل يومياً، قبل أن يتراجع بفعل العقوبات إلى نحو 250 ألف برميل، إلى جانب تراجع الإيرادات من 35 مليار دولار عام 2013 إلى نحو 770 مليون دولار عام 2019».
ورغم الصعوبات، يشدّد السفير على اهتمام بلاده بالطبقات الشعبية، من خلال توفير خدمات أساسية بأسعار شبه مجانية، بالإضافة إلى مشاريع إسكان ورعاية غذائية، لافتاً إلى أن التعاونيات الزراعية (الكوميونات) «صارت جزءاً أساسياً من الاقتصاد المحلي، بحيث انتقلت فنزويلا من خانة الاستيراد إلى التصدير لعدد من المُنتجات، من مثل الفواكه الاستوائية».
وفي شأن ما إذا كانت عسكرة الكاريبي قادرة على تعطيل التصدير البحري الفنزويلي، يرى السفير أن «هذا السيناريو صعب التطبيق؛ فخطوط الشحن من أميركا الجنوبية ليست سهلة الإيقاف من دون كلفة سياسية وقانونية باهظة»، مؤكداً مجدّداً قناعته بأن «الدخول إلى فنزويلا مستحيل، والأصعب هو الخروج منها»، إذا ما قُدِّر لعمل عسكري مباشر أنْ يقع.
