وزارة حرب ترامب: ليست مجرّد تسمية رمزية
يكشف قرار ترامب إعادة تسمية «البنتاغون» بـ«وزارة الحرب» نزعة عدوانية أميركية، ويكرّس تحوّلها إلى أداة للهيمنة لا للدفاع.


للمرّة الأولى منذ نحو ثمانية عقود، عادت «وزارة الدفاع» الأميركية إلى تسميتها الأصلية، لتكون «اسماً على مسمّى»: وزارة الحرب. ففي السادس من الشهر الجاري، وقّع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أمراً تنفيذيّاً يسمح باستخدام التسمية الجديدة كاسم ثانٍ للوزارة، في ظلّ تعذّر إقرارها رسمياً من جانب الكونغرس في الوقت الحالي. وبرّر الرئيس قراره بالتأكيد أنّ اكتفاء بلاده بالدفاع، لا يليق بدولة اعتادت أن «تفوز في كل الحروب»، مستحضراً خصوصاً انتصارات الولايات المتحدة في الحربَين العالميتَين الأولى والثانية. وبعد توقيعه المرسوم، اعتبر ترامب أنّ التسمية الجديدة «أكثر ملاءمة في ضوء وضع العالم الراهن»، وأنها «تبعث رسالة نصر» إلى العالم.
مؤيّدون ومعارضون
على وقع مسارعة المؤسسة العسكرية إلى تنفيذ قرار الرئيس، ومن شواهدها تعديلات في الحساب الرسمي لـ«البنتاغون|» على منصّة «إكس»، وبدء استخدام مصطلح «وزارة الحرب» في المراسلات الرسمية، شدّد الناطق باسم الوزراة، شون بارنيل، على أنّ هذا التغيير ضروري، بحجّة أنّ «كسب الحروب يشكّل جوهر المهمّة الأساسية للجيش، والدفاع وحده لا يكفي». وفيما دعا الناطق الرسمي إلى «الاستعداد للهجوم على أعدائنا والهيمنة عليهم»، أبدى وزير الدفاع، بيت هيغسيث، ترحيبه بتغيير اسم الوزارة، ونشر مقطع فيديو للوحة جديدة تحمل اسم «وزير الحرب»، مثبّتة على باب مكتبه.
وأوضح هيغسيث أنّ التغيير «لا يقتصر على التسمية، بل يتعلّق باستعادة روح المحارب» في الجيش الأميركي، وذلك انسجاماً مع شعارات إدارة ترامب المتمحورة حول «أميركا أولاً»، و«السلام عبر القوّة»؛ علماً أنّ الوزير نفسه سبق أن نشر عدّة كتب قبل تولّيه مهامّ منصبه، حذّر فيها من تبعات ما اعتبره وقوع المؤسسة العسكرية الأميركية في قبضة «اليسار»، و«الماركسية المعادية لأميركا»، رافعاً شعار «استعادة الجيش»، الذي تُرجم عبر سلسلة إجراءات جذرية، شملت طرد القيادات العسكرية العليا، وتعيين جيل جديد من القادة القادرين على تنفيذ رؤية أكثر «قسوة» و«عدوانية»، فضلاً عن استهزائه بضوابط القانون الدولي وسواها من أعراف الشرعية الدولية وقواعدها في أثناء النزاعات المسلحة، خصوصاً أنه من المتباهين باستخدام الجيش الأميركي القنابل الذرّية لإخضاع اليابانيين في الحرب العالمية الثانية.
ففي أحد مؤلّفاته، لا يتورّع الوزير الأميركي عن القول إنّ «التاريخ لا ينظر إلى أعظم الأجيال على أساس شعرهم أو مساعيهم الفنية أو براعتهم في الطهي»، بل إنّ التاريخ يستذكر رؤساء الجيش الأميركي وقادته في أثناء الأربعينيات «لأنهم كانوا أبطال الحرب العالمية الثانية».
تكلفة طباعة الوثائق الرسمية وتحديث اللّوحات الحكومية قد تصل إلى مئات ملايين الدولارات
واستدعى قرار ترامب انتقادات واسعة من الديموقراطيين، ممَّن قلّلوا من شأن ما جرى، واضعين إيّاه في سياق سياسي يرمي إلى استعراض القوّة، في وقت لا يمكن اعتبار الولايات المتحدة فيه في حال حرب، وصرف الأنظار عن القضايا الأكثر جوهرية، لا سيّما وعود الإدارة بوقف الحروب. ومن منظور هؤلاء، فإنّ قرار إعادة التسمية لا يضيف شيئاً إلى قدرات الولايات المتحدة أو تحالفاتها الدولية، كما أنه لا يضعف أو يردع الخصوم كروسيا والصين، وسط تقديرات بأنّ تكلفة طباعة الوثائق الرسمية وتحديث اللوحات الحكومية قد تصل إلى مئات ملايين الدولارات، وفقاً لموقع «بوليتيكو».
وبحسب مسؤولين سابقين في «البنتاغون»، فإنّ ما يرونه «تغييراً شكليّاً»، يتطلّب تعديل الأختام واللافتات على أكثر من 700 ألف منشأة في 40 دولة. وممّا أثار تكهّنات حول وجود خلفيات داخلية للقرار أيضاً، ما نشره الرئيس عبر منصّة «تروث سوشال»، السبت الماضي، مرفقاً إيّاه بصورة له مُولّدة بالذكاء الاصطناعي يرتدي فيها قبّعة «كاوبوي» ونظّارة شمسية، ومفاده أنّ شيكاغو «ستكتشف سبب تسميتها بوزارة الحرب»، في إشارة إلى استعداد إدارة ترامب، لتشديد حملتها على المهاجرين في المدينة التابعة لولاية إلينوي.
ووصف حاكم إلينوي، الديموقراطي جيه بي بريتزكر، منشور ترامب بأنه «غير طبيعي»، معتبراً أنّ «رئيس الولايات المتحدة يهدّد بشنّ حرب على مدينة أميركية». وتابع: «هذه ليست مزحة... دونالد ترامب، ليس رجلاً قويّاً، إنه رجل خائف. لن تُرهب إلينوي ممّن يطمح أن يكون ديكتاتوراً».
بُعد سياسي رمزي أم تحوّل إستراتيجي فعلي؟
تفاوتت التعليقات في خضمّ جدل بين مَن يرى في تغيير اسم الوزارة خطوة رمزية - وإنْ بمضامين سياسية - تحمل رسائل عدوانية إلى خصوم واشنطن الدوليين، من جهة، وتنطوي على مكاسب دعائية مجانية لهم عبر تصوير الولايات المتحدة كقوّة مهدّدة للاستقرار العالمي، من جهة ثانية؛ وبين مَن يجد فيها مجرّد خطوة شكلية منقوصة دستورياً وقانونياً، سواء لكونها تحتاج إلى موافقة من الكونغرس، أو لأنّ أداء وزارة الدفاع الأميركية، في أثناء السنوات الـ80 الماضية، لطالما اندرج ضمن خانة العدوان وشنّ الحروب أكثر منه لأغراض الدفاع.
وبحسب محلّلين غربيين، لم يكن تغيير الاسم مجرّد خطوة رمزية، لا سيّما وأنه يترافق مع عرض الإدارة موازنة جديدة لوزارة الحرب بقيمة تفوق التريليون دولار، بل يشي بأنه يتجاوز مسألة التسمية نحو قرار إستراتيجي فعلي شامل له أبعاد مالية وسياسية عميقة، بتعزيز منطق الاحتكام إلى القوّة والعمل العسكري الهجومي، كأداة في السياسة الخارجية، وعدم الاكتفاء بلغة الدفاع أو الردع، بخاصة في الشرق الأوسط الذي سيكون بمثابة ساحة اختبار للعقيدة الأميركية الجديدة.
وفي حين ذكّرت صحيفة «نيويورك تايمز» بأنّ اعتماد تسمية «وزارة الدفاع» رسمياً عقب الحرب العالمية الثانية، كان بغرض التواصل مع خصوم أميركا ومختلف دول العالم، وإقناعهم بأنّ واشنطن ليست معنية بصناعة الحرب بل بالدفاع عن نفسها، لفتت صحيفة «ذا غارديان» إلى أنّ جوهر التسمية الجديدة لا يعدو كونه طريقة مبتكرة لتجاوز الحاجة إلى موافقة الكونغرس على إعادة تسمية وكالة فدرالية بصورة رسمية، موضحة أنّ دلالاته تتناقض مع ما كرّره ترامب مراراً حول زعمه أنّه «رئيس مناهض للحرب».
من جهتها، أشادت صحيفة «واشنطن بوست»، في افتتاحيتها، بالأمر التنفيذي الصادر عن البيت الأبيض، باعتبار أنّ ما انطوى عليه من تأكيد على أنّ «البنتاغون» معنيّ بخوض الحروب، قد تكون له آثار إيجابية، وأنّ قرار ترامب يُعدّ خطوة في محلّها ضدّ اللغة الرسمية المخفّفة، على نحو قد يدفع نحو تفكير أوضح حول دور المؤسسة العسكرية في الداخل والخارج، كما قالت. وخلصت الصحيفة الأميركية إلى أنّ قدرة «البنتاغون» على الدفاع عن مصالح الولايات المتحدة في أنحاء العالم، مرتبط بتوقّع أن تكون الوزارة قادرة على خوض الحروب والفوز بها، وأنّ هذا التوقّع هو ما يشكّل حسابات الدول المنافسة لواشنطن.
