قطاع النفط أكبر المتضرّرين: الالتفاف على العقوبات سيظلّ ممكناً
تضرب عودة العقوبات صادرات النفط الإيرانية وإيراداتها، لكنها لا تلغي قدرة طهران على الالتفاف عبر الصين وروسيا وشبكات إقليمية بديلة.


ستكون لعودة العقوبات الأممية على إيران، تداعيات اقتصادية، ستؤثّر، ابتداءً، على صادرات النفط المحلية، وتؤدّي إلى خفض حجم مبيعاته. وتشتري الصين، راهناً، نحو 90% من النفط الإيراني، الذي تذهب غالبية مبيعاته إلى المصافي الصينية المتوسطة والصغيرة، بعدما استطاعت أن تبقى بمنأى عن العقوبات الأميركية. ومع عودة الإجراءات العقابية الأممية، ستتغيّر اعتبارات هذه المصافي، بعد أن تصبح شبكات نقل النفط الإيراني التي تقوم، في الوقت الحالي، بالالتفاف على الإجراءات الأميركية، عرضةً لمزيد من الضغوط.
وقبل تصاعد الصراع في شأن البرنامج النووي الإيراني، بلغت كمية صادرات النفط المحلّي أكثر من 2.5 مليون برميل يومياً، لكنها تراجعت مع سريان مفعول العقوبات الأممية، ولا سيما منذ عام 2009، بحيث وصلت في ذروة سياسة الضغوط القصوى - خلال الولاية الرئاسية الأولى لدونالد ترامب - إلى 300 ألف برميل يومياً. وفي عام 2025، صدّرت إيران ما بين مليون و500 ألف، ومليون و800 ألف برميل يومياً، يُتوقّع أن تنخفض، مع عودة العقوبات الأممية، بحوالى 300 ألف إلى 500 ألف برميل. على أن المشكلة لا تكمن فقط في صادرات النفط، بل إن الإيرادات بالعملة الأجنبية المتأتّية من هذه الصادرات، ستعود بصعوبة أكبر إلى خزانة الدولة، بسبب العقوبات.
وفي حين تعتمد موازنة الحكومة الإيرانية على النفط إلى حدٍّ كبير، فإن تناقص الإيرادات النفطية سيؤدي إلى مزيد من العجز في الموازنة، وتالياً عدم تنفيذ المشروعات الإنمائية وتراجع الإنفاق الحكومي، ومزيد من التضخّم. وإذ يشار إلى أن نصف موازنة العام الجاري، لا يستند إلى مصدر يُعوّل عليه للعوائد، فإن تراجع صادرات النفط، سيصاحبه عجز أكبر في الموازنة، الأمر الذي سينعكس في موازنة العام المقبل. ويعني عجز الموازنة، استدانة الحكومة من البنك المركزي، وما يتبع ذلك من تضخّم أكبر. ومع اقتراب التضخّم الشهري في العام الحالي من 35%، فإن عودة العقوبات ستزيد من الضغط الاقتصادي على الأُسر الإيرانية، وذلك نتيجة تراجع قيمة العملة الإيرانية (الريال) أمام الدولار.
يُتوقّع أن تنخفض مبيعات النفط بحوالى 300 ألف إلى 500 ألف برميل
وحتى قبل تصاعد النقاش حول تفعيل «آلية الزناد»، كان كل دولار أميركي يساوي نحو 920 ألف ريال إيراني، لكن هذا الرقم ارتفع عشية إرسال الترويكا الأوروبية رسالة إلى مجلس الأمن الدولي، إلى مليون ومئة ألف ريال لكلّ دولار. وبناءً على توقعات «غرفة تجارة إيران»، يُرجَّح أن يخسر الريال الإيراني قيمته أمام الدولار، بنحو 15% للأشهر الستة المقبلة. وسيؤثّر التراجع المستمرّ لقيمة الريال، على القطاعات الإنتاجية في البلاد أيضاً، مع ترحيل المزيد من الرساميل من قطاع الإنتاج نحو شراء الذهب والدولار، وهو ما سينتج منه مزيد من الركود الاقتصادي.
ولمواجهة هذه الظروف، ومن أجل خفض أثر العقوبات، يُنتظر أن تبادر إيران في أول خطوة لها، إلى توطيد علاقاتها مع الصين وروسيا، لكي تتمتّع بدعمهما خلال عملية اتّخاذ القرار في ما يخصّ إرسال ملفها إلى مجلس الأمن الدولي. وفي هذا السياق، فإن استمرار الدعم الصيني لإيران، يكتسي أهمية خاصة، إذا ما تمكّنت الأخيرة من بيع أكبر كمية من النفط إلى بكين، وأن تستخدم العملة الأجنبية المتأتّية من هذه المبيعات، لتلبية الاحتياجات العامة وتغطية نفقات الدولة.
وفي حال استمرار التوجّه الحالي للحكومة الصينية، سيكون في وسع المصافي والشركات الصينية الصغيرة الخاصّة، مواصلة شراء النفط الإيراني، وإنْ كانت ستطالِب بمزيد من التخفيضات، مقابل قبول مجازفة أكبر. وبما أن مبيعات النفط إلى الصين، ستتم عن طريق الشبكات التي ينشط فيها لاعبون دوليون آخرون، فمن المتوقّع أن يزداد التنسيق الإيراني مع الدول الجارة، ولا سيما العراق. وستوفّر إيران قسماً كبيراً من احتياجاتها عن طريق المقايضة مع العراق، إضافة إلى أنها ستقيم تعاوناً أكبر مع الإمارات وتركيا لبيع منتجاتها من البتروكيميائيات.
وسيكون من الصعوبة قطع الطريق على شبكة نقل النفط الإيراني، فيما تأمل طهران في أن تتكيّف مع العقوبات الأممية، وأن تعتمد مبادرات أكثر لإحباط المحاولات الأميركية الرامية إلى تطبيق العقوبات عليها. وفي النهاية، يُتوقّع أن تستفيد طهران أكثر من طاقات منظمات دولية شرقية، خاصة مجموعة «بريكس» و«منظمة شنغهاي للتعاون» لتحييد ضغوط العقوبات، بحيث يجري مزيد من التبادل مع الدول الأعضاء في هذه المنظمات بالعملات الوطنية، بدلاً من الدولار الأميركي.
* أستاذ كلية دراسات العالم في جامعة طهران
