آخر أدوات القوّة الهجينة: أوروبا أيضاً... ستخسر كثيراً
تُقوِّض أوروبا القانون الدولي بتفعيل «آلية الزناد» ضد إيران، لكنها ستخسر استراتيجياً أكثر مما تؤثّر العقوبات على طهران.


يبدو أن لتفعيل الترويكا الأوروبية «آلية الزناد»، ومعها العقوبات الأممية على طهران، نتائج عملياتية محدودة؛ لكن تبعاتها السياسية ستكون أكبر بكثير، وهي ستطال أوروبا قبل إيران. تقول طهران وموسكو وبكين، إنه لا يحقّ لأوروبا - وفقاً للقانون الدولي - استخدام «آلية الزناد»، وذلك للأسباب التالية: الأول، أنها لم تفِ بالتزاماتها المنصوص عليها بموجب «خطّة العمل الشاملة المشتركة»، أي إنه لا يمكنها تالياً التمتّع بمزايا الاتفاق؛ والثاني، تأسيساً على نص الاتفاق، قبلت إيران بالقيود النووية في مقابل رفع العقوبات والانتفاع اقتصاديّاً، وبما أن الشرط الأول، أي رفع العقوبات، لم يتحقّق، لا تعود طهران ملزمة بخفض أنشطتها، ولا يحصل بالتالي أيّ انتهاك؛ والثالث، سبق لأوروبا أن استخدمت «آلية الزناد» عام 2020، وقدّمتها إلى اللجنة المشتركة للاتفاق النووي، حيث لا يزال الملفّ مفتوحاً، فيما لا يمكن لها متابعته عن طريق مجلس الأمن الدولي من دون حسْمه في اللجنة.
لهذه الأسباب، لا يمكن أصلاً طرح طلب الاتحاد الأوروبي في مجلس الأمن، بل ينبغي سلوك المسار العادي حتى انقضاء مهلة الاتفاق النووي في تشرين الأول المقبل، وزوال العقوبات تالياً. وقد أقرّ مندوب كوريا الجنوبية لدى الأمم المتحدة، باعتباره الرئيس الدوري لمجلس الأمن الدولي، هذا الشهر، بالشبهات القانونية في ما يخصّ الطلب الأوروبي. ومع ذلك، أثبتت وقائع السياسة الدولية، استخدام القوى الغربية، المنظمات الدولية كأدوات لخدمة مصالحها، ما يعني أنها ربّما تستطيع، بفعل الضغوط السياسية، تطبيق الآلية، وإعادة فرض العقوبات والقرارات الأممية على الجمهورية الإسلامية.
على أن إيران واجهت، طوال العقود الخمسة الماضية، عقوبات أحادية ومتعدّدة الأطراف. ورغم أن الحياة في ظلّ العقوبات صعبة طبعاً، غير أن طهران استطاعت أن تسلَم منها، وأن تواصل حياتها. فمنذ عام 2018، تاريخ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، لا تزال حملة الضغوط القصوى الأميركية ضدّ الجمهورية الإسلامية سارية، علماً أن العقوبات لم تُخفّض في ولاية جو بايدن. ومع ذلك، نجحت طهران في الالتفاف عليها وأحياناً تحييدها، وشقّ طريقها إلى الأمام؛ علماً أن جميع العقوبات والقيود، إذا ما أُعيد فرضها، تظلّ جميعها أخفّ من الضغوط القصوى الأميركية، ولن تترك أثراً خاصّاً على الاقتصاد الإيراني.
وفي حين أن حصّة أوروبا من التبادل الاقتصادي مع إيران، تقلّ عن 2%، فإن غيابها أو حتى زوالها، لن يخلّف تبعات لافتة، بل يمكن استبداله بسرعة، ولا سيما أن طهران، فضلاً عن تعاونها المباشر والمؤثّر مع بكين وموسكو، قد زادت من تعاملاتها مع المنظمات الدولية والتحالفات المتعدّدة الأطراف، بما في ذلك «منظمة شنغهاي للتعاون» ومجموعة «بريكس» و«إكو» وغيرها.
رغم أن الحياة في ظلّ العقوبات صعبة طبعاً، غير أن طهران استطاعت أن تسلَم منها
لكن، بمعزل عن أيّ نتيجة قد تفرزها «آلية الزناد»، فإن شروع أوروبا في هذا المسار، يمثّل في ذاته تجاهلاً للقوانين الدولية وقواعد النظام العالمي، التي تزعم الدول الغربية، وضمنها الترويكا الأوروبية، الالتزام بها والترويج لها. وفي عام 2020، حذّر رئيس «مؤتمر ميونخ للأمن»، وقادة من مِثل إيمانويل ماكرون وأنجيلا ميركل، من عدول أوروبا عن القيم التي كانت تتشدّق بها في يوم من الأيام.
فدعم الكيان الإسرائيلي في عدوانه على غزة، وعدم الاكتراث بقرار «المحكمة الجنائية الدولية» ضدّ سلطات الاحتلال، ودعم العدوان غير القانوني الذي شنّته إسرائيل وأميركا على إيران، والوقوف موقف المتفرّج والداعم للهجوم الأميركي غير القانوني على المنشآت النووية الإيرانية، والتزام الصمت إزاء تطوير تل أبيب السلاح الذري... كل ذلك يقف على طرف نقيض من القوانين وقواعد القانون الدولي، فيما ستتمثّل حصيلته في تقويض أسس النظام العالمي القائم.
فهل تقويض هذا النظام أو زواله سيخدم مصالح أوروبا؟ تتحدّد الإجابة هنا بالنتيجة الإستراتيجية لتفعيل الترويكا الأوروبية «آلية الزناد». فمن أجل لعب دور على صعيد العالم، تحتاج الدول إلى قوّة اقتصادية وقدرة عسكرية وطاقة تكنولوجية أو تأثير سياسي. وقد اختُبرت القوّة العسكرية للأوروبيين و«الناتو» في الحرب الأوكرانية، وثبت عجزها وعدم استقلاليتها. وفي الميدان الاقتصادي، يجب الإقرار بأن أوروبا خسرت دورها العالمي، وظهر إلى العيان ضعفها منذ الأزمة المالية لعام 2008.
ومنذ بداية العقد الجاري، اعترف مختلف المسؤولون الأوروبيون بتراجع وتقهقر هذه القارة في الميدان التكنولوجي. وفي الوقت الذي تتنافس فيه الصين وأميركا في مجال الجيل الخامس للاتصالات (5G)، والرقائق الإلكترونية الصغيرة، والذكاء الاصطناعي، تغيب أوروبا تماماً عن هذا الميدان. وفي ما يخصّ الفعل السياسي، فإن أداء أوروبا في قضايا من مثل الاتفاق النووي وحرب غزة، يظهر أن هذه القارة لم تَعُد تمتلك لا الإرادة ولا التأثير في الملفّات الدولية. والآن، تُعدّ «آلية الزناد» آخر أداة للترويكا الأوروبية للاضطلاع بدور ما على الصعيد الدولي، فيما سيؤدي تنفيذها أو إنهاؤها إلى انحسار هذا الدور تماماً، علماً أن الأوروبيين يأملون تمديد الآلية، حتى تظلّ أداة ضغط بيدهم لفترة أخرى من الزمن.
وإذا كان مسار «سناب باك» يحتمل ثلاثة سيناريوات: تنفيذ الآلية، تمديدها، أو وضع نهاية عادية للاتفاق النووي؛ فستكون أوروبا الخاسر الأكبر في الحالات الثلاث، إذ إن الإنهاء العادي للاتفاق سيمثّل هزيمة سياسية كبرى للترويكا، في حين سينتزع تطبيق الآلية من أيدي الأوروبيين أداة ضغط أخرى.
وحتى مع عودة العقوبات على إيران، سيظلّ أثرها أضعف بكثير من العقوبات الأميركية الأحادية. وفي حالة تمديد «آلية الزناد»، لا يَظهر أن آثار تقويض منظومة القانون الدولي السائد، ستزول، إذ ستظهر على المدى المتوسط، تداعياتها في إضعاف الدور الدولي لأوروبا. وهكذا، تضع الدول الأوروبية الثلاث، بسبب غطرستها، مصالحها الإستراتيجية ضحية المواجهة مع إيران والتماهي مع الولايات المتحدة.
* مدیر معهد
«بيت الديبلوماسیة» في طهران
